الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب رفع الصوت في المساجد

459 471 - حدثنا أحمد قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني عبد الله بن كعب بن مالك، أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كشف سجف حجرته ونادى: "يا كعب بن مالك، يا كعب". قال: لبيك يا رسول الله. فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك. قال كعب: قد فعلت يا رسول الله. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "قم فاقضه". [انظر: 457 - مسلم: 1558 - فتح: 1 \ 561] .

التالي السابق


ذكر فيه حديثين:

أحدهما: حديث السائب بن يزيد؛ رواه عن علي بن عبد الله، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا الجعيد بن عبد الرحمن، حدثني يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد قال: كنت قائما في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين. فجئته بهما. قال: من أنتما أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

هذا الحديث، وهو في الحقيقة أثر رواه عن علي بن عبد الله [ ص: 626 ] أبو خليفة، وأورده الإسماعيلي عن يعلى عن محمد بن عباد، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن الجعيد، عن السائب قال: كنت مضطجعا فحصبني إنسان، فرفعت رأسي، فإذا عمر بن الخطاب، فذكره، ثم قال: لم يذكر يزيد، وأورده أيضا عن أبي القاسم البغوي عن عبيد الله بن عمر الجشمي، عن يحيى بن سعيد؛ فقال: عن الجعد بن أوس، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد.

قلت: والجعد معروف بالرواية عن يزيد وعن السائب.

إذا عرفت ذلك، فالكلام عليه من أوجه:

أحدها:

(يزيد) هذا هو: ابن عبد الله بن خصيفة مدني ثقة.

و(الجعد) مدني ويقال: الجعيد، ثقة، روى له مسلم حديثا واحدا عن السائب.

[ ص: 627 ] ثانيها:

قوله: (كنت قائما) كذا في روايتنا بالقاف، ولعله بالنون بدلها، توضحه رواية الإسماعيلي كنت مضطجعا.

ثالثها:

إنما أنكر عمر عليهما لرفعهما أصواتهما فيما لا حاجة فيه، ولذلك بنى عمر البطحاء خارج المسجد لينزهه عن الخنا والرفث.

وسؤاله عنهما؛ لأنه كان قد قدم النهي عن ذلك فلما أخبراه أنهما ليسا من أهل البلد سكت عنهما، وأخبرهما بالنهي الذي كان قدمه لأهل البلد، وقد قال مالك وغيره: لا يرفع الصوت في المسجد في علم ولا غيره، قال مالك: ولقد أدركت الناس قديما يعيبون ذلك على بعض من يكون ذلك محله، وفي العلم ترفع فيه الأصوات، وكرهه، رواه ابن عبد الحكم عنه.

وقال ابن مسلمة في "المبسوط": لا بأس برفع الصوت في المسجد في الخبر يخبرونه والخصومة تكون بينهم، ولا بأس بالأحداث التي تكون بين الناس فيه من الشيء يعطونه، وما يحتاجون إليه؛ لأن المسجد مجمع الناس، ولا بد لهم فيما يحتاجون إليه من ذلك.

وأجاز أبو حنيفة وأصحابه رفع الصوت في المسجد، وذكر ابن أبي خيثمة، عن إبراهيم بن بشار، عن ابن عيينة قال: مررت بأبي حنيفة مع أصحابه في المسجد وقد ارتفعت أصواتهم، فقلت: يا أبا حنيفة هذا في المسجد والصوت لا ينبغي أن يرفع فيه؟! فقال: دعهم فإنهم لا يفقهون إلا بهذا، وفي خبر أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن رفع الصوت في المساجد [ ص: 628 ] وإنشاد الشعر وطلب الضوال والصفق في البيوع؛ ولا يقوى.

الحديث الثاني:

حديث عبد الله بن كعب، أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه.. الحديث.

وقد سلف في باب التقاضي والملازمة في المسجد.

وساق البخاري هذا الحديث ليبين أن ارتفاع صوت كعب وابن أبي حدرد فيه كان على طلب حق واجب، ولهذا لم يعبه الشارع عليهم فبين بالحديث الأول محل المنع وبهذا محل الجواز.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث