الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في قواعد يكثر الحاجة إليها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 92 ] فصل في قواعد يكثر الحاجة إليها

وهي خمس عشرة قاعدة الأولى:

إذا روى بعض الثقات الحديث متصلا وبعضهم مرسلا، أو بعضهم مرفوعا وبعضهم موقوفا أو وصله هو أو رفعه في وقت، وأرسله أو وقفه في وقت، فالصحيح الذي عليه الفقهاء وأهل الأصول ومحققو المحدثين أنه يحكم بالوصل والرفع; لأنه زيادة ثقة. وصححه الخطيب. وقيل: يحكم بالإرسال والوقف، ونقله الخطيب عن أكثر المحدثين، وقيل: يؤخذ برواية الأحفظ، وقيل: الأكبر.

القاعدة الثانية:

زيادة الثقة مقبولة عند الجمهور من الطوائف، وقيل: لا تقبل، وقيل: تقبل من غير من رواه ناقصا ولا تقبل منه للتهمة. وأما إذا روى العدل الضابط المتقن حديثا انفرد به فمقبول بلا خلاف. نقل الخطيب اتفاق العلماء عليه.

[ ص: 93 ] القاعدة الثالثة:

إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا، أو: نهينا عن كذا، أو: من السنة كذا، أو: أمر بلال أن يشفع الأذان ونحو ذلك، فكله مرفوع على الصحيح الذي عليه الجمهور من الطوائف، سواء قال ذلك في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو بعده، وقيل: موقوف، والصواب الأول، وهو ما نص عليه أيضا الشافعي في "الأم" حيث قال في باب: ما عدد كفن الميت؟ بعد ذكر ابن عباس، والضحاك: وابن عباس والضحاك بن قيس رجلان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- لا يقولان السنة إلا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ونقل ابن داود من أصحابنا في شرحه المختصر في كتاب الجنايات في أسنان الإبل عن الشافعي أنه كان يرى في القديم أن ذلك مرفوع من الصحابي أو التابعي، ثم رجع عنه; لأنهم قد يطلقونه ويريدون به سنة البلد. أما إذا قال التابعي: أمرنا بكذا. فقال الغزالي: يحتمل أن يريد: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أمر كل الأمة فيكون حجة. ويحتمل: أمر بعض الصحابة، لكن لا يليق بالعالم أن يطلق ذلك إلا وهو يريد من يجب طاعته.

[ ص: 94 ] فروع:

إذا قيل في الحديث عند ذكر الصحابي: يرفعه، أو ينميه، أو يبلغ به، أو رواية فمرفوع بالاتفاق، وإذا قال الراوي عن التابعي: يرفعه أو يبلغ به فمرفوع مرسل، وإذا قال التابعي: من السنة كذا، فالصحيح أنه موقوف، وقيل: مرفوع مرسل، وإذا قال الصحابي: كنا نقول أو نفعل كذا، أو كانوا يقولون أو يفعلون كذا، أو لا يرون بأسا بكذا. إن لم يضفه إلى حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أو عهده أو نحو ذلك فموقوف، وإن أضافه فقال: كنا أو كانوا يفعلون في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أو عهده أو وهو فينا أو بين أظهرنا فمرفوع على الصحيح.

وقيل: موقوف، وقيل: إن كان أمرا يظهر غالبا فمرفوع وإلا فموقوف.

وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الشافعي.

وقيل: مرفوع مطلقا وهو ظاهر كلام كثيرين من المحدثين والفقهاء.

قال النووي: وهو قوي فإنه ظاهره.

[ ص: 95 ] وأغرب بعضهم فقال: إن كان الراوي الصديق، فمرفوع; لأنه لا يقول: أمرنا إلا وأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف غيره من الصحابة، فإنه يحتمل غيره، حكاه ابن الأثير.

وأما قول التابعي: كانوا يقولون أو يفعلون. فلا يدل على قول ولا على فعل جميع الأمة، فلا حجة فيه بلا خلاف، إلا أن يصرح بنقله عن أهل الإجماع. وفي ثبوت الإجماع بخبر الواحد خلاف، ذهب الأكثرون إلى أنه لا يثبت به.

القاعدة الرابعة:

إذا خلط الثقة لاختلال ضبطه بهرم أو ذهاب بصر ونحوه، قبل حديث من أخذ عنه قبل الاختلاط، ولا يقبل من أخذ عنه بعد الاختلاط، أو شككنا في وقت أخذه، وما كان في "الصحيحين" من هذا فمحمول على أنه علم أنه أخذ قبل الاختلاط.

القاعدة الخامسة:

الإسناد المعنعن: وهو فلان عن فلان، قيل: إنه مرسل أو منقطع،
والصحيح عند جمهور الفقهاء والأصوليين والمحدثين -وادعى جماعة الإجماع عليه- أنه متصل بشرط أن لا يكون المعنعن مدلسا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضا.

وفي اشتراط ثبوت اللقاء، قولان:

أحدهما: يشترط، وهو مذهب علي بن المديني وأبي بكر الصيرفي الشافعي والمحققين.

[ ص: 96 ] قال النووي في "شرح مسلم" وغيره: وهو الأصح.

و(ثانيهما) : لا، بل يكفي الإمكان وهو مذهب مسلم بن الحجاج، وادعى في مقدمة "صحيحه" الإجماع عليه.

وفي اشتراط طول صحبته له قولان وكذا في معرفته بالرواية عنه.

وباشتراط هذا قال أبو عمرو المقري.

وإذا قال: ثنا الزهري أن ابن المسيب حدث بكذا. أو قال ابن المسيب كذا ونحوه.

فقال الإمام أحمد، ويعقوب بن شيبة، والبرديجي لا يلتحق ذلك [ ص: 97 ] بعن، بل هو منقطع حتى يتبين السماع، وقال الجمهور كما نقله عنهم ابن عبد البر: هو كعن فيحمل على السماع بالشرط السالف.

القاعدة السادسة:

التدليس قسمان:

أحدهما: أن يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهما سماعه قائلا: قال فلان أو عن فلان ونحوه، وربما لم يسقط شيخه وأسقط غيره صغيرا أو ضعيفا تحسينا للحديث. وهذا القسم مذموم جدا، ذمه الجمهور، ولا يغتر بجلالة من تعاطاه من كبار العلماء، فقد كان لبعضهم فيه عذر، وهو أن الحديث قد يكون عنده عمن يعتقد عدالته وضبطه، وهو عند الناس أو أكثرهم مجروح، فهو يعتقد صحة الحديث في نفس الأمر لكون الراوي ثقة عنده والناس يرونه ضعيفا، فلو ترك التدليس وصرح باسم شيخه جعل الناس الحديث ضعيفا وفاتت سنة على المسلمين، فعدل إلى التدليس لهذه المصلحة مع أنه لم يكذب. فإن قلت: فعلى هذا ينبغي أن يحتج بعنعنة المدلس; لأنه إن كان فيه محذوف فهو ثقة. قلت: عنه جوابان للنووي رحمه الله:

أحدهما: أن هذا الاحتمال وإن كان ممكنا فلسنا على قطع منه ولا ظن.

ثانيهما: أنه وإن كان ثقة عنده فلا يحتج به حتى يسميه; لأنه قد يعتقده ثقة وهو مجروح للاختلاف في أسباب الجرح، ولهذا لو قال:

[ ص: 98 ] أخبرني الثقة لم يحتج به على المذهب الصحيح، ثم قال قوم: من عرف بهذا التدليس صار مجروحا ولا تقبل روايته وإن بين السماع. والصحيح الذي عليه الجمهور التفصيل فيما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع كعن وقال، فمرسل، وما بينه فيه كسمعت، وثنا، وأنا فمقبول محتج به.

وفي الصحيحين وغيرهما من هذا الضرب كثير جدا كقتادة، والأعمش، والسفيانين، وهشيم، وغيرهم. وهذا الحكم جار فيمن ثبت أنه دلس مرة واحدة. وما كان في الصحيحين وشبههما من الكتب المعتمدة التي التزم مصنفوها المحققون الصحيح عن المدلسين (بعن) محمول على أنه ثبت سماع ذلك المدلس ذلك الحديث من ذلك الشخص من جهة أخرى.

القسم الثاني: أن يسمي شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بخلاف ما يعرف به، فكراهته أخف من الأولى، وسببها توعير طريق معرفته، ورمي الوليد بن مسلم وبقية بن الوليد بتدليس التسوية، وهو لا يختص بشيخ المدلس بل بشيخ شيخه، مثاله: أن يكون بين الأوزاعي ونافع مثلا من ضعف، مع أن الأوزاعي روى عن نافع فيسقط بقية الضعيف، ويروي الحديث عن الأوزاعي عن نافع فتنبه لذلك.

القاعدة السابعة:

إذا قال الصحابي لنفسه قولا ولم يخالفه غيره ولم ينتشر، فليس هو إجماعا، وهل هو حجة؟ فيه خلاف للعلماء وهو قولان للشافعي: الجديد الصحيح: أنه ليس بحجة، والقديم: أنه حجة، فإن قلنا:

[ ص: 99 ] حجة قدم على القياس. ولزم التابعي وغيره العمل به ولا يجوز مخالفته، وهل يخص به العموم؟ فيه وجهان، وإذا قلنا: ليس بحجة قدم القياس عليه وجاز للتابعي مخالفته.

وأما إذا اختلفت الصحابة فعلى الجديد: لا يقلد بعضهم ويطلب الدليل، وعلى القديم: هما دليلان تعارضا فنرجح أحدهما بكثرة العدد، فإن استويا قدم بالأئمة، فإن كان مع أقلهما عددا إمام دون أكثرهما فهما سواء، فإن استويا في العدد والأئمة لكن في أحدهما أحد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فهل يقدم أم يستويان؟ فيه وجهان لأصحابنا، هذا كله إذا لم ينتشر، فأما إذا انتشر فإن خولف فحكمه ما سبق، وإن لم يخالف ففيه خمسة أوجه لأصحابنا:

أصحها: أنه حجة وإجماع.

وثانيها: لا فيهما. واختاره الغزالي في "المستصفى".

وثالثها: حجة بلا إجماع.

ورابعها: إن كان حكم إمام أو حاكم فليس بحجة وإن كان فتيا غيرهما فحجة.

وخامسها: عكسه; لأن الحكم غالبا يكون بعد مشورة ومباحثة وينتشر انتشارا ظاهرا بخلاف الفتيا.

[ ص: 100 ] ولو قال التابعي قولا ولم ينتشر وخولف فليس بحجة قطعا، فإن لم يخالف فالصحيح الذي عليه الجمهور أنه كالصحابي، فيكون على الأوجه الخمسة، وقيل: لا يكون هذا حجة. قال ابن الصباغ: والصحيح أنه إجماع. قال النووي: وهو كما صحح; لأن التابعي في هذا كالصحابي من حيث أنه انتشر وبلغ الباقين ولم يخالفوا فكانوا مجمعين، وإجماع التابعين كإجماع الصحابة، وقال في "شرح مسلم": ما صححه صاحب "الشامل" هو الأفقه، فلا فرق في هذا بين الصحابي والتابعي.

القاعدة الثامنة:

إذا أراد رواية الحديث بالمعنى فإن لم يكن خبيرا بالألفاظ ومقاصدها عالما بما تختلف به دلالتها، لم يجز له الرواية بالمعنى بلا خلاف، بل عليه أداء اللفظ الذي سمعه فإن كان عالما بذلك فأقوال:

أحدها: أنه لا يجوز أيضا، قاله طائفة من أصحاب الحديث والفقه والأصول.

ثانيها: يجوز في غير حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - دون حديثه.

ثالثها: يجوز في الجميع إذا قطع بأنه أدى المعنى، قاله الجمهور من الطوائف، وهو الصواب الذي تقتضيه أحوال الصحابة فمن بعدهم في نقلهم القضية الواحدة بألفاظ مختلفة، وهذا الخلاف في غير المصنفات، أما فيها: فلا يجوز تغييرها. وإن كان بالمعنى فإن من [ ص: 101 ] رخص ثم; إنما رخص لما في الجمود على الألفاظ من الحرج وهو منتف فيها.

فرع: لو كان في أصل الرواية أو الكتاب لفظة وقعت غلطا، فالصواب الذي عليه الجمهور أنه لا يغيره في الكتاب، بل يرويه على الصواب، وينبه عليه على حاشية الكتاب. وعند الرواية فيقول: كذا وقع والصواب كذا. وأحسن الإصلاح أن يكون ما جاء في رواية.

وعن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه لا يجوز روايته بواحد منهما، أما الصواب; فلأنه لم يسمعه من الشيخ كذلك، وأما الخطأ; فلأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقله.

القاعدة التاسعة:

إذا كان في سماعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأراد أن يرويه ويقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عكسه، فالصحيح جوازه; لأنه لا يختلف به هنا معنى.

القاعدة العاشرة:

ليس له أن يزيد في نسب غير شيخه أو صفته على ما سمع من شيخه; لأنه يكون كاذبا على شيخه، إلا أن يميز فيقول: حدثني فلان: قال: ثنا فلان هو: ابن فلان أو يعني: ابن فلان. أو هو: الفلاني. وما أشبه هذا، فهذا جائز حسن قد استعمله الأئمة، وهذا مما ينبغي أن يحفظ فهو كثير الاستعمال، وقد استعمل في "الصحيح" من هذا أشياء لا تنحصر وستمر بك إن شاء الله.

[ ص: 102 ] القاعدة الحادية عشر:

إذا قدم بعض المتن على بعض، فإن اختلفت الدلالة به لم يجز وإلا جاز على الصحيح; بناء على جواز الرواية بالمعنى، ولو قدم المتن على الإسناد أو بعض الإسناد مع المتن، ثم ذكر باقي الإسناد حتى اتصل بما بدأ به جاز وهو سماع متصل. فلو أراد من سمع هكذا أن يقدم جميع الإسناد فالصحيح جوازه، ومنعه بعضهم.

القاعدة الثانية عشر:

اختصار الحديث والاقتصار على بعضه، الصحيح جوازه إذا كان ما فصله غير مرتبط الدلالة بالباقي، بحيث لا تختلف الدلالة، مفصلة كالحديثين المستقلين. ومنعه إن لم يكن كذلك. وأما تقطيع المصنف الحديث وتفريقه في أبواب فهو إلى الجواز أقرب ومن المنع أبعد، وقد فعله مالك، والبخاري، وغير واحد من أئمة الحديث.

القاعدة الثالثة عشر:

معرفة الصحابي والتابعي وبها يعرف الاتصال والإرسال، فالصحابي: كل مسلم (رأى) النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو ساعة وإن لم يصحبه.

هذا هو الصحيح في حده كما أوضحته في "المقنع في علوم الحديث" من ستة أقوال فيه، والتابعي: من (رأى) الصحابي على الأصح.

[ ص: 103 ] القاعدة الرابعة عشر:

جرت العادة بحذف (قال) ونحوه من رجال الإسناد خطا، ولا بد للقارئ أن يتلفظ بها وإذا كان فيه: قرئ على فلان قال: أخبرك فلان أو قرئ على فلان ثنا فلان، فليقل القارئ في الأول قيل له: أخبرك فلان، وفي الثاني قال: ثنا فلان، وإذا تكررت كلمة (قال) كقوله في "صحيح البخاري": (ثنا صالح قال: قال الشعبي) فإنهم يحذفون أحدهما خطا، وعلى القارئ أن يتلفظ بها، فإن لم يتلفظ بـ(قال) في هذا كله فقد أخطأ، والظاهر صحة السماع للعلم بالمحفوظ، ويكون هذا من الحذف لدلالة الحال عليه.

القاعدة الخامسة عشر:

جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا، واستمر الاصطلاح عليه من قديم الأعصار وهلم جرا، بحيث لا يخفى فيكتبون من حدثنا (ثنا) وهو الثاء والنون والألف، وربما حذفوا الثاء.

ويكتبون من أخبرنا (أنا)، ولا يحسن زيادة الباء قبل النون، وإن فعله البيهقي وغيره، وقد يزاد في علامة (ثنا) دال في أوله، و(أثنا) ثاء بعد الألف، ووجدت الدال في خط الحاكم والبيهقي. وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد (ح) مهملة، والمختار أنها مأخوذة من التحول لتحوله من إسناد إلى إسناد، وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها: (ح) ويستمر في قراءة ما بعدها، وهذه الحاء كثيرة في "صحيح مسلم" قليلة في "صحيح البخاري" فتنبه لحكمها.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث