الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

5899 [ ص: 81 ] 20 - باب: التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين

6254 - حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير قال: أخبرني أسامة بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة فدكية، وأردف وراءه أسامة بن زيد وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج -وذلك قبل وقعة بدر- حتى مر في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا. فسلم عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: أيها المرء، لا أحسن من هذا، إن كان ما تقول حقا، فلا تؤذنا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك منا فاقصص عليه. قال ابن رواحة: اغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك. فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى هموا أن يتواثبوا، فلم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - يخفضهم، ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة فقال: "أي سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب". يريد عبد الله بن أبي- "قال: كذا وكذا" قال: اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -. [انظر: 2987 - مسلم: 1798 - فتح: 11 \ 38]

التالي السابق


ذكر فيه حديث أسامة - رضي الله عنه - أنه - عليه السلام - ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة فدكية.. الحديث بطوله، وفيه: فسلم عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم وقف.

وفيه: الإبانة أنه لا حرج على المرء في جلوسه مع قوم فيهم منافق أو كافر، وفي تسليمه عليهم إذا انتهى إليهم وهم جلوس، وذلك أنه - عليه السلام - سلم على القوم الذين فيهم عبد الله بن أبي ولم يمتنع من ذلك لمكان

[ ص: 82 ] عبد الله مع نفاقه وعداوته للإسلام وأهله إذ كان فيه من أهل الإيمان جماعة.

وقد روي عن الحسن البصري أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم. وذلك خلاف ما يقوله بعضهم أنه غير جائز على من كان عن سبيل الحق منحرفا إما لبدعة أو لضلالة من الأهواء الردية، أو ملك من ملوك الكفار كان بها. ونظمه غير سائغ، وذلك أنه لا ضلالة أشنع ولا بدعة أخبث ولا كفرا أرجس من النفاق ولم يكن في نفاق عبد الله بن أبي يوم هذه القصة شك.

فإن قلت: إنه - عليه السلام - إنما سلم عليه ونزل إليه يومئذ ليدعوه إلى الله وذلك فرض عليه. قيل: لم يكن نزوله - عليه السلام - ليدعوه; لأنه قد تقدم الدعاء منه لعبد الله بن أبي ولجماعة المنافقين في أول الإسلام فكيف يدعى إلى ما يظهره، وإنما نزل - عليه السلام - هناك استئلافا لهم ورفقا بهم رجاء رجوعهم إلى الحق، وقد كان - عليه السلام - يستألف بالمال فضلا عن التحية، والكلمة الطيبة من استئلافه إذ كناه عند سعد بن عبادة فقال له سعد: (اعف عنه واصفح)، أي: لا تناصبه العداوة، كل هذا رجاء أن يراجع الإسلام.

وقد أجاز مالك في تكنية اليهودي والنصراني، وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب كما سلف قريبا.

وروى جرير عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنت ردفا لابن مسعود، فصحبنا دهقان من القنطرة إلى زرارة فأشعب له طريق واحد فيه، فقال عبد الله: أين الرجل؟ فقلت. أخذ في طريقه، فأتبعه

[ ص: 83 ] بصره. وقال: السلام عليكم، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس تكره أن يبدءوا بالسلام؟ قال: نعم، ولكن حق الصحبة. وكان ابن محيريز يمر على السامرة فيسلم عليهم، وقال قتادة: إذا دخلت بيوت أهل الكتاب فقل: سلام على من اتبع الهدى.

فإن قلت: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام" أخرجه مسلم منفردا به.

قلت: كلاهما صحيح فهذا عام والأول خاص; لأن فيه أنه - عليه السلام - لما رأى عبد الله بن أبي وحوله رجال من قومه، تذمذم أن يجاوره، فنزل فسلم فجلس، وكان نزوله إليه (بقياد تام)، وفيه نظير ما سلف من التسليم على الدهقان وكلام إبراهيم النخعي فالأول بغير سبب يدعوكم أن تبدءوهم من قضاء دينكم، أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة في جوار أو سفر.

فصل:

وفيه -كما قال المهلب-: عيادة المريض على بعد والركوب إليه، وركوب الحمر للأشراف والأنبياء.

فصل:

ومعنى: (خمر عبد الله أنفه): غطاه، وكل مغط عند العرب فهو مخمر، ومنه: "خمر إناءك ولو بعود تعرضه عليه".

[ ص: 84 ] و (البحرة): القرية، وكل قرية لها نهر ماء جار أو ناقع فإن العرب تسميها بحرا، وقد قيل في قوله تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر [الروم: 41]: إنه عني بالبحر الأمصار التي فيها أنهار ماء، والعرب تقول: هذه بحرتنا، أي: بلدنا.

وقوله: (يعصبوه) أي: يسودوه، والسيد المطاع يقال له: المعصب; لأنه يعصب الأمور برأسه، والتاج عندهم للملك، والعصابة للسيد المطاع. ومعنى (شرق بذلك): غص به، يقال: غص الرجل بالطعام، وشرق بالماء، وشجى بالعظم.

فصل:

فيه دليل: أنه - عليه السلام - كان يقدر في ذلك الوقت على مقاومة ابن أبي، ومقاومة من يؤذيه من الأنصار بمدينتهم وموضع سلطانهم.

فصل:

قوله: (عبد الله بن أبي ابن سلول) سلول: قبيلة من هوازن، وهو اسم أمهم كما ذكره الجوهري. فعلى هذا لا ينصرف.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث