الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


5944 6303 - حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال عمرو: قال ابن عمر: والله ما وضعت لبنة على لبنة، ولا غرست نخلة، منذ قبض النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال سفيان: فذكرته لبعض أهله، قال: والله لقد بنى [بيتا]. قال سفيان: قلت: فلعله قال قبل أن يبني. [فتح: 11 \ 92]

التالي السابق


وقد سلف مسندا.

ثم ساق حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: رأيتني مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بنيت بيدي بيتا يكنني من المطر ويظلني من الشمس، ما أعانني عليه أحد من خلق الله -عز وجل-. وفي رواية عنه: والله ما وضعت لبنة على لبنة ولا غرست نخلة منذ قبض النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال سفيان: فذكرته لبعض أهله، قال: والله لقد بنى. قال سفيان: قلت: فلعله قال قبل أن يبني.

الشرح:

أشراط الساعة: علاماتها، جمع: شرط -بفتح الراء- والبهم -بفتح الباء-: جمع بهمة، وهي صغار الضأن، قاله الجوهري. وقال أبو عبيد في "مصنفه": البهم: من أولاد المعز، يقال ذلك للذكر

[ ص: 170 ] والأنثى. وقال ابن فارس: البهم: صغار الغنم. ولبنة ككلمة ما يبنى بها، وجمعها: لبن، وقال ابن السكيت: ومن العرب من يقول: لبنة أي: بإسكان الباء.

وقوله: (ما أعانني عليه أحد). يريد لخفة مؤنته، وتأويل سفيان فيما قيل عن ابن عمر، أنه بني بعد أن قال صحيح; لأن العالم إذا روي عنه قولان مختلفان أو قول مخالف لفعله ينبغي حملهما على ما لا تناقض فيه; ألا ترى أن قريب ابن عمر لم يكذبه في قوله.

وقوله: (ولا غرست نخلة)، ليس الغرس من ذلك في شيء; لأن من غرس بنية طلب الكفاف أو لفضل ما ينال منها، ففي ذلك الفضل لا الإثم. قاله الداودي.

وقوله: (يكنني من المطر)، هو بضم الياء من أكن، قال ابن التين: كذا قرأناه. وفي "الصحاح" عن الكسائي: كننت الشيء: سترته، وصنته من الشمس، وأكننته في نفسي: أسررته. وقال أبو زيد: كننته وأكننته بمعنى واحد في الكن وفي النفس جميعا تقول: كننت العلم وأكننته، وكننت الجارية وأكننتها.

فصل:

والتطاول في البنيان من أشراط الساعة، وذلك أن يبنى ما يفضل عما يكنه من الحر والبرد، ويستره عن الناس، وقد ذم الله تعالى من فعل ذلك فقال: أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون [الشعراء: 128 - 129] يعني: قصورا، وقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما أنفق ابن آدم في التراب فلن يخلف له

[ ص: 171 ] ولا يؤجر عليه".
فأما من بنى ما يحتاج إليه ليكنه من الحر و (البرد) فمباح له ذلك، وكذلك فعل السلف; ألا ترى قول ابن عمر - رضي الله عنهما -: (بنيت بيدي بيتا يكنني من المطر..) إلى آخره، وقد روي مثل ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ذكر الطبري، عن الحسن، عن حمران بن أبان، عن عثمان بن عفان أنه - عليه السلام - قال: "كل شيء سوى جلف هذا الطعام - (يعني: كثير الطعام) - وهذا الماء وبيت يقله وثوب يستره، فليس لابن آدم فيه حق" فأباح من البناء ما يقيه أذى الشمس والمطر اللذين لا طاقة لأحد باحتمال مكروههما، كما أباح من الغذاء ما به قوام بدنه، من مطعم أو مشرب، ومن الملبس ما يستر عورته، وما زاد على ذلك فلا حق له فيه، يعني: إذا لم يصرفه في الوجوه المقربة له إلى الله تعالى فإذا فعل ذلك فله الحق في أخذه وصرفه في حقه.

وروى ابن وهب وابن نافع عن مالك قال: كان سلمان يعمل الخوص بيده، وهو أمير، ولم يكن له بيت إنما كان يستظل بالجدر والشجر وأن رجلا قال له: ألا أبني لك بيتا تسكن فيه؟ فقال: ما لي به حاجة فما زال به الرجل حتى قال: أعرف البيت الذي يوافقك قال: فصفه لي قال: أبني لك بيتا إذا قمت فيه أصاب رأسك سقفه وإن أنت مددت فيه رجليك أصابهما الجدار. قال: نعم كأنك كنت في نفسي والله أعلم.

آخر كتاب الاستئذان بحمد الله ومنه



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث