الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب دخول الكعبة والصلاة فيها

عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال بن رباح فأغلقاها عليه ومكث فيها. قال عبد الله بن عمر فسألت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى .

وفي رواية ابن القاسم عن مالك وجعل بينه وبين الجدار نحوا من ثلاثة أذرع وفي رواية للبخاري عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره وفي رواية لمسلم عمودا عن يمينه وعمودين عن يساره وله في رواية بين العمودين اليمانيين ولهما ونسيت أن أسأله كم صلى .

وللبخاري صلى ركعتين بين الساريتين اللتين عن يساره إذا دخلت وله " وعند المكان الذي صلى فيه مرمرة حمراء " وللدارقطني استقبل الجزعة وللشيخين من حديث ابن عباس فدعا فيه ولم يصل وابن عباس لم يشهد القصة وإنما حدثه بذلك أسامة بن زيد كما رواه مسلم

التالي السابق


(باب دخول الكعبة والصلاة فيها)

عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال بن رباح فأغلقاها عليه ومكثا فيها قال عبد الله بن عمر فسألت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى .

(فيه) فوائد

(الأولى) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من طريق مالك وأخرجه البخاري ومسلم أيضا من طريق أيوب السختياني والبخاري من طريق موسى بن عقبة وجويرية بن أسماء وفليح بن سليمان ويونس بن يزيد ومسلم وأبو داود من طريق عبيد الله بن عمر ومسلم والنسائي من طريق [ ص: 130 ] عبد الله بن عون وابن ماجه من طريق حسان بن عطية كلهم عن نافع وأخرجه الشيخان والنسائي من طريق سالم بن عبد الله بن عمر ، والبخاري والنسائي من طريق مجاهد والنسائي من طريق ابن أبي مليكة كلهم عن ابن عمر وروى الترمذي من حديث عمرو بن دينار عن ابن عمر عن بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في جوف الكعبة وقال حديث بلال حديث حسن صحيح.

(الثانية) فيه استحباب دخول الكعبة اقتداء به عليه الصلاة والسلام وهذا متفق عليه وقد ورد الترغيب فيه في حديث رواه البيهقي من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفورا له قال البيهقي تفرد به عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف وقال المحب الطبري هو حديث حسن غريب ومحل استحبابه إذا لم يؤذ بدخوله أحدا لزحمة ونحوها.

قال الشافعي رحمه الله واستحب دخول البيت إن كان لا يؤذي أحدا بدخوله وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت خرج النبي صلى الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس فرجع إلي وهو حزين فقلت له فقال إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي لفظ الترمذي وقال حسن صحيح.

ورواه الحاكم في مستدركه وصححه ولعل معناه إتعابهم بتجشم المشقة في الدخول مع تعسر ذلك وفي مصنف ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه قال (يا أيها الناس إن دخولكم البيت ليس من حجكم في شيء) وعن إبراهيم النخعي في الحاج إن شاء دخل الكعبة وإن شاء لم يدخلها وعن خيثمة لا يضرك [ ص: 131 ] والله أن لا تدخله وعن عطاء إن شئت فلا تدخله، وما ذكره هؤلاء لا ينافي استحباب دخوله وإنما ذكروا ذلك لئلا يتوهم وجوبه أيضا فإنه ليس من جملة المناسك بل هو مستحب مستقل والله أعلم.

(الثالثة) دخوله عليه الصلاة والسلام الكعبة كان في الفتح كما هو في الصحيحين من حديث ابن عمر ولم يدخل الكعبة في عمرته كما في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما ولم ينقل فيما أعلم دخوله في حجه، ولعل تركه الدخول في عمرته وحجته لئلا يتوهم كونه من المناسك وليس منها وإنما هو سنة مستقلة كما قدمته وقال البيهقي دخوله كان في حجته وحديث ابن أبي أوفى في عمرته فلا معارضة بينهما، وما ذكره من أن دخوله في حجته مردود وإنما كان في الفتح كما قدمته.

وقال النووي في شرح مسلم لا خلاف في أن دخوله كان يوم الفتح ولم يكن في حجة الوداع ثم قال بعد ذلك قال العلماء وسبب عدم دخوله أي في عمرته ما كان في البيت من الأصنام والصور ولم يكن المشركون يتركونه ليغيرها فلما فتح الله تعالى عليه مكة دخل البيت وصلى فيه وأزال الصور قبل دخوله (قلت) لو كان المعنى ما ذكره لدخل في حجة الوداع فلعل المعنى الذي أبديته أوجه، والله أعلم.

وقال أبو الوليد الأزرقي في تاريخ مكة حدثني جدي قال سمعت سفيان يقول سمعت غير واحد من أهل العلم يذكرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح ثم حج فلم يدخلها قال والدي رحمه الله (في إحياء القلب الميت بدخول البيت ) وإنما أريد بذلك بعد الهجرة فأما قبل الهجرة وهو بمكة ففي طبقات ابن سعد عن عثمان بن طلحة في أثناء قصة أنه عليه الصلاة والسلام دخلها على أن في [ ص: 132 ] بعض الروايات أنه دخلها يوم الفتح مرتين رواه الدارقطني عن ابن عمر قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت ثم خرج وبلال خلفه فقلت لبلال هل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال لا، فلما كان من الغد دخل فسألت بلالا هل صلى ؟ قال نعم ، قال وقد ورد أيضا ما يدل على أنه دخلها في حجة الوداع فذكر حديث عائشة الذي ذكرته في الفائدة قبلها وفيه أني دخلت الكعبة وكأن وجه ذلك أن عائشة رضي الله عنها إنما كانت معه في حجة الوداع والله أعلم.

(الرابعة) قال المهلب شارح البخاري إدخال النبي صلى الله عليه وسلم معه هؤلاء الثلاثة لمعان تخص كل واحد منهم فأما دخول عثمان فلخدمته البيت في الغلق والفتح والكنس ولو لم يدخله لغلق بابها لتوهم الناس أنه عزله، وأما بلال فمؤذنه وخادم أمر صلاته. وأما أسامة فمتولي خدمة ما يحتاج إليه وهم خاصته فللإمام أن يستخص خاصته ببعض ما يستتر به عن الناس ا هـ.

وفي سنن النسائي من رواية ابن عون عن نافع عن ابن عمر دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت ومعه الفضل بن عباس وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال الحديث فزاد معهم الفضل وهو غريب وقد رواه النسائي من هذا الوجه أيضا وليس فيه ذكر الفضل ، وفي مسند أحمد من رواية مجاهد عن ابن عباس قال حدثني أخي الفضل بن عباس وكان معه حين دخلها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في الكعبة ولكنه لما دخلها وقع ساجدا بين العمودين ثم جلس يدعو وهذه الرواية شاذة من وجهين دخول الفضل معهم والاقتصار على السجود وفي صحيح مسلم [ ص: 133 ] من رواية سالم عن أبيه في الحديث المتقدم ولم يدخلها معهم أحد.

(الخامسة) قوله فأغلقاها عليه كذا في هذه الرواية بالتثنية والضمير عائد على المذكورين آخرا وهما عثمان وبلال وفي رواية للبخاري ومسلم فأغلقوا عليهم وفي رواية لمسلم فأغلقها والضمير عائد لعثمان فإنه في تلك الرواية أقرب مذكور وفي رواية له التصريح بذلك قال فيها وأجاف عليهم عثمان بن طلحة الباب والجمع بين هذه الروايات أن عثمان هو المباشر للإغلاق لأنها وظيفته ولهذا انفرد بالفتح وأما ضم بلال إليه في رواية فلعله ساعده في ذلك وأما الرواية التي نسب فيها ذلك إلى الجميع فوجه نسبته إلى غير عثمان للأمر بذلك فالفعل ينسب تارة إلى فاعله وتارة إلى الآمر به، والله أعلم.

(السادسة) قال ابن بطال وأما غلق الباب والله أعلم حين صلى في البيت لئلا يظن الناس أن الصلاة فيه سنة فيلزمون ذلك وقال النووي في شرح مسلم إنما أغلقها عليه السلام ليكون أسكن لقلبه وأجمع لخشوعه ولئلا يجتمع الناس ويدخلوه أو يزدحموا فينالهم ضرر ويتهوش عليه الحال بسبب لغطهم انتهى.

وما ذكره النووي أظهر وما ذكره ابن بطال ضعيف فإنه عليه الصلاة والسلام لا يخفى صلاته في البيت وقد شاهدها جماعة ونقلوها وقيل إنما أغلقها ليصلي إلى جميع جهاتها فإن الباب إذا كان مفتوحا وليس أمامه قدر مؤخرة الرجل لم تصح الصلاة حكاه المحب الطبري .

(السابعة) فيه اختصاص جماعة بدخولهم الكعبة وإغلاقها عليهم وفي تاريخ الأزرقي أن خالد بن الوليد كان يومئذ بالباب يذب الناس .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث