الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                            صفحة جزء
                                                            وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة وصلى بها قال نافع وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك ولهما عن ابن عمر " كان إذا صدر عن الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ينيخ بها " زاد مسلم وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي بينه وبين القبلة وسط من ذلك

                                                            التالي السابق


                                                            الحديث الثاني

                                                            عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة وصلى بها قال نافع : (كان عبد الله بن عمر يفعل ذلك) .

                                                            (فيه) فوائد:

                                                            (الأولى) [ ص: 180 ] اتفق عليه الشيخان وأبو داود والنسائي من هذا الوجه من طريق مالك وأخرجه الشيخان من طريق موسى بن عقبة عن نافع أن ابن عمر كان إذا صدر عن الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ينيخ بها . .

                                                            وأخرجه مسلم من طريق الليث بن سعد وليس فيه إذا صدر عن الحج أو العمرة ورواه البخاري من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من مكة يصلي في مسجد الشجرة ، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتى يصبح .

                                                            (الثانية) البطحاء التي بذي الحليفة تسمى المعرس أيضا وهي بضم الميم وفتح العين والراء المهملتين مع تشديد الراء وآخره سين مهملة وأصل المعرس موضع النزول مطلقا أو في آخر الليل قال أبو زيد عرس القوم في المنزل إذا نزلوا به أي وقت كان من ليل أو نهار.

                                                            وقال الخليل والأصمعي التعريس النزول آخر الليل، وصار هذا اللفظ علما بالغلبة على موضع معين وهو على ستة أميال من المدينة كما حكاه أبو داود في سننه عن محمد بن إسحاق المديني وجزم به في المشارق وفي الصحيحين من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى وهو في معرسه من ذي الحليفة في بطن الوادي فقيل له إنك ببطحاء مباركة .

                                                            قال موسى وقد أناخ بنا سالم بالمناخ من المسجد الذي كان عبد الله ينيخ به يتحرى معرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي بينه وبين القبلة وسط من ذلك وفي عزو الشيخ رحمه الله في النسخة الكبرى هذه الزيادة لمسلم فقط نظر فقد عرفت أنها عند البخاري أيضا ذكرها [ ص: 181 ] في أوائل الحج.

                                                            (الثالثة) اختلف في نزوله عليه الصلاة والسلام ببطحاء ذي الحليفة على أقوال:

                                                            (أحدها) أن ذلك جرى اتفاقا لا عن قصد فهو كبقية منازل الحج وهو ظاهر ما حكاه ابن عبد البر عن محمد بن الحسن أنه قال إنما هو مثل المنازل التي نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من منازل طريق مكة وبلغنا أن ابن عمر كان يتبع آثاره تلك فينزل بها فكذلك قيل مثل ذلك بالمعرس وذكر محمد هذا توجيها لقول أبي حنيفة من مر بالمعرس من ذي الحليفة راجعا من مكة فإن أحب أن يعرس به حتى يصلي فعل وليس ذلك عليه.

                                                            (ثانيها) أنه قصد النزول به لكن لا لمعنى فيه حكى القاضي عياض عن بعضهم أنه عليه الصلاة والسلام إنما نزل به في رجوعه حتى يصبح لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلا كما نهى عنه صريحا في الأحاديث المشهورة .

                                                            (ثالثها) أنه نزل به قصدا لمعنى فيه وهو التبرك به ويدل له أنه عليه الصلاة والسلام أتى به فقيل له إنك ببطحاء مباركة وهو في الصحيحين كما تقدم ويدل له أيضا صلاته عليه الصلاة والسلام به وما فهم من لفظ الحديث من مواظبته على النزول به لكنه ليس من مناسك الحج بل هو سنة مستقلة وبهذا قال الجمهور قال مالك في الموطإ لا ينبغي لأحد أن يجاوز المعرس إذا قفل حتى يصلي فيه وأنه من مر به في غير وقت صلاة فليقم حتى تحل الصلاة ثم يصلي ما بدا له لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس به وأن عبد الله بن عمر أناخ به قال ابن عبد البر واستحبه الشافعي ولم يأمر به وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي ليس نزوله عليه الصلاة والسلام بالمعرس كسائر منازل طريق مكة لأنه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه والمعرس إنما كان يصلي فيه نافلة.

                                                            ولا وجه لتزهيد الناس في الخير ولو كان المعرس كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخره عنه وذكر حديث موسى بن عقبة عن نافع أن ابن عمر سبقه إلى المعرس فأبطأ عليه فقال: ما حبسك ؟ فذكر عذرا فقال ظننت أنك أخذت الطريق ولو فعلت لأوجعتك ضربا



                                                            (رابعها) أنه من مناسك الحج وهذا شيء اقتضت عبارة ابن عبد البر في التمهيد حكايته عن ابن عمر فإنه قال: وليس ذلك من سنن الحج ومناسكه التي يجب على تاركها فدية أو دم عند أهل العلم [ ص: 182 ] ولكنه حسن عند جميعهم إلا ابن عمر فإنه جعله سنة: انتهى فإن كانت هذه العبارة ليست صريحة في إيجاب ابن عمر فدية بتركه فهي صريحة في أن ابن عمر زاد على غيره من أهل العلم في استحبابه زيادة لم يقولوا بها فيعد حينئذ مذهبا غير ما تقدم



                                                            (الرابعة) فيه استحباب الصلاة في الموضع المذكور وقد تقدم عن إسماعيل القاضي أنه عليه الصلاة والسلام إنما كان يصلي فيه نافلة لكن من ضرورة المبيت به أنه يصلي فيه فريضة وتقدم قول مالك لا ينبغي لأحد مجاوزته حتى يصلي فيه واستحباب الشافعي له وقول أبي حنيفة إن أحب أن يعرس به حتى يصلي فعل.

                                                            (الخامسة) لو مر به في وقت كراهة الصلاة لم أر لأصحابنا تعرضا له ومقتضى كلامهم أنه يستمر استحباب الصلاة فيه لأنها صلاة ذات سبب إلا أن يقصد المجيء في وقت الكراهة ليصلي فيه كما قالوه في داخل المسجد يستحب له فعل التحية ولو كان في وقت الكراهة إلا أن يدخل بقصد فعل التحية فلا يفعلها على أقيس الوجهين وقد يقال ليس هذا كتحية المسجد لأن السنة في تلك فعلها قبل الجلوس فلأجل المبادرة إليها اغتفر فعلها وقت الكراهة وأما هذه الصلاة فليس من سنتها المبادرة إليها بل القصد أن يصلي في ذلك الموضع قبل ارتحاله ولو بعد زمن طويل وتقدم قول مالك من مر به في غير وقت صلاة فليقم حتى تحل الصلاة ثم يصلي ما بدا له وهذا على قاعدته في طرد الكراهة ولو في ذات السبب ويحتمل أنه أراد في غير وقت صلاة مفروضة وأن قوله حتى تحل الصلاة أي المفروضة ومراده دخول وقتها لكن يرده قوله ما بدا له فالظاهر من هذه الصيغة النافلة وتقدم قول إسماعيل القاضي أنه عليه الصلاة والسلام إنما كان يصلي فيه نافلة.

                                                            (السادسة) في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع زيادة المبيت بها إلى الصباح والأخذ بالزيادة لازم ومقتضى ما قالوه في مبيت المزدلفة حصول القصد بالمبيت بها نصف الليل لكن إن كان المعنى أن لا يطرق أهله ليلا اقتضى ذلك الاستمرار إلى الصباح لئلا يقع في هذا المحذور ويدل لذلك قوله وبات حتى يصبح.

                                                            (السابعة) قد يقال مقتضى قوله في رواية موسى بن عقبة إذا صدر عن الحج أو العمرة التقييد بذلك [ ص: 183 ] ومقتضى المعنى عدم التقييد واستحباب الصلاة بها والمبيت لكل مار بها وإن لم يكن صادرا من حج ولا عمرة وعدم التقييد هو الصواب وبه جزم النووي في شرح مسلم في تبويبه ويدل له ما صح من شرف البقعة وأنها مباركة وأما التقييد في تلك الرواية فإنما هو لفعل ابن عمر ولم يكن ابن عمر يمر عليها إلا في حج أو عمرة ولم يبق بعد الفتح غزو من تلك الجهة لأنها صارت كلها دار سلام.

                                                            (فإن قلت) فلم خص ذلك بصدوره ورجوعه من الحج أو العمرة ولم لا كان يفعل ذلك في المضي إليهما قلت لأنه في المضي إليهما يمر من تلك الطريق وإنما كان يخرج من طريق الشجرة للاتباع كما تقدم وينبغي أن يقال لو مر بالمعرس في ذهابه إلى مكة استحب له الصلاة به والله أعلم.




                                                            الخدمات العلمية