الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فضل قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له

جزء التالي صفحة
السابق

4859 [ 2618 ] وعن أبي أيوب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير عشر مرات ، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل .

رواه البخاري (6404) ، ومسلم (2693) ، والترمذي (3584) .

[ ص: 19 ]

التالي السابق


[ ص: 19 ] (4 و 5) ومن باب : فضل التهليل والتسبيح والتحميد

(قوله في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - : " من قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ; في يوم مائة مرة ، كانت له عدل عشر رقاب ، وكتبت له مائة حسنة ، ومحيت عنه مائة سيئة ") يعني : أن ثواب هذه الكلمات بمنزلة ثواب من أعتق عشر رقاب ، وقد تقدم في العتق : أن من أعتق رقبة واحدة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار ، ثم يزاد مع ذلك كتب مائة حسنة ، ومحو مائة سيئة ، يجمع ذلك كله له ، وكل واحد من هذه الحسنات مضاعفة بعشر ، كما قال تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [ الأنعام : 160 ] وكما في حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - المذكور بعد هذا ، وهذا الحديث وجميع ما في الباب من الأحاديث يدل على : أن ذكر الله تعالى أفضل الأعمال كلها ، وقد صرح بهذا المعنى في آخر هذا الحديث حين قال : " ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به ، إلا أحد عمل أكثر من ذلك " . وأنص ما في هذا الباب ما خرجه مالك عن أبي الدرداء قال : " ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها [ ص: 20 ] عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ " قالوا : بلى . قال : " ذكر الله " . وهذا لا يقوله أبو الدرداء من رأيه ، ولا بنظره ; فإنه لا يتوصل إليه برأيه ، فلا يقوله إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، غير أنه سكت عن رفعه للعلم بذلك عند من حدثه بذلك . وقد رواه الترمذي مرفوعا ، والله تعالى أعلم .

و (قوله : " وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ") يعني : أن الله تعالى يحفظه من الشيطان في ذلك اليوم فلا يقدر منه على زلة ولا وسوسة ببركة تلك الكلمات .

قلت : وهذه الأجور العظيمة ، والعوائد الجمة إنما تحصل كاملة لمن قام بحق هذه الكلمات ، فأحضر معانيها بقلبه ، وتأملها بفهمه ، واتضحت له معانيها ، وخاض في بحار معرفتها ، ورتع في رياض زهرتها ، ووصل فيها إلى عين اليقين ; فإن لم يكن ، فإلى علم اليقين ، وهذا هو الإحسان في الذكر ; فإنه من أعظم العبادات . وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما قدمناه في الإحسان : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " .

ثم لما كان الذاكرون في إدراكاتهم وفهومهم مختلفين ، كانت أجورهم على ذلك بحسب ما أدركوا ، وعلى هذا ينزل اختلاف مقادير الأجور ، والثواب المذكور في أحاديث الأذكار ، فإنك تجد في بعضها ثوابا عظيما مضاعفا ، وتجد تلك الأذكار بأعيانها في رواية أخرى أكثر أو أقل ، كما اتفق هنا في حديث أبي هريرة [ ص: 21 ] المتقدم ، فإن فيه : ما ذكرناه من الثواب ، وتجد تلك الأذكار بأعيانها وقد علق عليها من ثواب عتق الرقاب أكثر مما علقه على حديث أبي هريرة ، وذلك أنه قال في حديث أبي هريرة : " من قال ذلك في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب " ، وفي حديث أبي أيوب : "من قالها عشر مرات كانت له عدل أربع رقاب " . وعلى هذا فمن قال ذلك مائة مرة كانت له عدل أربعين رقبة ، وكذلك تجده في غير هذه الأذكار ، فيرجع الاختلاف الذي في الأجور لاختلاف أحوال الذاكرين ، وبهذا يرتفع الاضطراب بين أحاديث هذا الباب ، والله الموفق للصواب .

و (قوله : " إلا أحد عمل أكثر من ذلك ") أي : قال ، فسمى القول عملا ، كما قد صرح به في الرواية الأخرى . والذكر من الأعمال التي لا تنفع إلا بالنية والإخلاص .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث