الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في الابتلاء بالدنيا وكيف يعمل فيها

جزء التالي صفحة
السابق

5265 (5) باب

في الابتلاء بالدنيا وكيف يعمل فيها

[ 2696 ] عن أبي هريرة ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن ثلاثة في بني إسرائيل : أبرص ، وأقرع ، وأعمى ، فأراد الله أن يبتليهم ، فبعث إليهم ملكا ، فأتى الأبرص فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : لون حسن ، وجلد حسن ، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس ، قال : فمسحه فذهب عنه قذره ، وأعطي لونا حسنا ، وجلدا حسنا ، قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال : الإبل - (أو قال : البقر ، شك إسحاق - إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما : الإبل وقال الآخر : البقر) قال : فأعطي ناقة عشراء فقال : بارك الله لك فيها . قال : فأتى الأقرع فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : شعر حسن ، ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس ، قال : فمسحه فذهب عنه ، وأعطي شعرا حسنا ، قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال : البقر ، فأعطي بقرة حاملا فقال : بارك الله لك فيها . قال : فأتى الأعمى فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : أن يرد الله إلي بصري ، فأبصر به الناس ، قال : فمسحه فرد الله إليه بصره ، قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال : الغنم ، فأعطي شاة والدا ، فأنتج هذان وولد هذا . قال : فكان لهذا واد من الإبل ، ولهذا واد من البقر ، ولهذا واد من الغنم .

قال : ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن ، والجلد الحسن ، والمال ، بعيرا أتبلغ عليه في سفري ، فقال : الحقوق كثيرة ، فقال له : كأني أعرفك ، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا ، فأعطاك الله ؟ فقال : إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر ، فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت .

قال : وأتى الأقرع في صورته ، فقال له مثل ما قال لهذا ، ورد عليه مثل ما رد على هذا ، فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت .

قال : وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين ، وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري ، فقال : قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري ، فخذ ما شئت ودع ما شئت ، فوالله لا أجهدك اليوم شيئا أخذته لله ، فقال : أمسك مالك ; فإنما ابتليتم ، فقد رضي عنك ، وسخط على صاحبيك .
رواه البخاري (3464) ، ومسلم (2964) .

[ ص: 117 ]

التالي السابق


[ ص: 117 ] و (قوله : " ناقة عشراء ") هي التي مضى لها من حملها عشرة أشهر ، وجمعها : عشار ، وكانت أنفس أموال العرب لقرب ولادتها ، ورجاء لبنها . وقال ابن جني : هي التي أتى عليها بعد وضعها عشرة أشهر . في الصحاح : العشار - بالكسر - جمع عشراء : وهي الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر ، وزال عنها اسم المخاض ، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع ، وبعدما تضع أيضا . يقال : ناقتان عشراوان ، ونوق عشار ، وعشراوات ، يبدلون من همزة التأنيث واوا ، وقد عشرت الناقة تعشيرا : إذا صارت عشراء .

و (قوله : " فأنتج هذان ، وولد هذا ") أي : تولى نتاج ناقته وولادة شاته ، ووقع هنا (أنتج) رباعيا ، والمعروف الثلاثي ، وحكى الأخفش : نتجها وأنتجها ، بمعنى ، وقد أشبعنا القول فيه فيما تقدم .

[ ص: 118 ] و (قوله : " انقطعت بي الحبال في سفري ") الرواية المشهورة بالحاء المهملة والموحدة ، والباء المعجمة - بواحدة تحتها - وبالألف ، وهي : جمع حبل ، وهو المستطيل من الرمل ، وقيل : هي الأسباب التي يتوصل بها إلى البلاغ ، وهذا أوقع التفسيرين ، ورواهابن الحذاء : الحيل : جمع حيلة ، ورواه بعضهم كذلك غير أنه زاد الفاء ، ووقع لبعض رواة البخاري : الجبال ، بالجيم ، وفيه بعد .

و (قوله : " والله لا أجهدك اليوم شيئا أخذته لله ") كذا لأكثر الرواة ، ومعناه : [ ص: 119 ] لا أبلغ منك جهدا ومشقة في صنعك شيئا أخذته لله . قال صاحب " الأفعال " : جهدته وأجهدته : بلغت مشقته ، وقيل : معنى لا أجهدك : لا أقلل لك فيما تأخذ ، والجهد : ما يعيش به المقل ، ومنه : والذين لا يجدون إلا جهدهم [ التوبة : 79] وعند ابن ماهان : لا أحمدك ، بالحاء المهملة والميم ، من الحمد ، وكذا رواه البخاري ، ومعناه : لا أحمدك في أخذ شيء أو إبقائه ، لطيب نفسي بما تأخذ ، كما قال المرقش :


ليس على طول الحياة ندم . . . . . . . . . . . . . .

أي : ليس على فوت الحياة ندم .

و (قوله : " إنما ورثت هذا كابرا عن كابر ") أي : كبيرا عن كبير ، يعني : أنه ورث ذلك المال عن أجداده الكبراء ، فحمله بخله على نسيان منة الله تعالى ، وعلى جحد نعمه ، وعلى الكذب ، ثم أورثه ذلك سخط الله الدائم ، وكل ذلك بشؤم البخل . واعتبر بحال الأعمى لما اعترف بنعمة الله تعالى عليه ، وشكره عليها ، وسمحت نفسه بها ثبتها الله عليه ، وشكر فعله ورضي عنه ، فحصل على الرتب الفاخرة ، وجمعت له نعم الدنيا والآخرة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث