الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة التكليف بالفعل الذي ينتفي شرط وقوعه عند وقته

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 94 ] التنبيه ] الثاني [ الأمر المقيد بالشرط له أحوال ]

قال العبدري في شرح المستصفى " : الأمر المقيد بالشرط له ثلاثة أحوال :

أحدها : أن يكون الشرط معلوما انتفاؤه عند الآمر والمأمور جميعا ، فهذا ممنوع بالاتفاق .

الثاني : أن يكون مجهولا عندهما فجائر بالاتفاق .

الثالث : أن يكون معلوما عند الآمر مجهولا عند المأمور . فهذا موضع الخلاف جوزه الأشعرية ومنعته المعتزلة ، وهم المصيبون في هذا اللفظ ، لأن الأمر الذي فرضوا فيه الكلام ليس هو صيغة اللفظ ، إنما فرضوا الكلام في المعنى القائم بالنفس ، ولا يصح أن يقوم بنفس الآمر طلب ما يعلم قطعا أنه لا يقع ، أو أنه قد وقع ، بل طلب ما يجوز أن يقع وأن لا يقع .

والدليل على ذلك : أن الأمر لا يصح إلا بالممكن ، فالمأمور لا يعلم كونه مأمورا عند توجه الأمر عليه بل عند وقوعه وهو المطلوب ، وأيضا فإن علم المأمور بكونه مأمورا يؤدي إلى أن يكون ذلك الأمر واقعا لا محالة فبطل كونه ممكنا وصار واجبا ، وهذا محال فنقيضه محال ، وهو أن المأمور لا يعلم كونه مأمورا عند توجه الأمر عليه بل عند وقوعه وهو المطلوب . انتهى . وفيما ذكره نزاع .

وفاته قسم رابع : وهو أن يكون المأمور عالما بالانتفاء دون الآمر ، فلا يصح وفاقا لانتفاء فائدته من جهة المأمور وهو الامتثال ، وعدم صحة طلبه من جهة الآمر . [ ص: 95 ]

وقال الصفي الهندي : اتفق الكل على أن المأمور لو علم أنه لا يتمكن من فعل المأمور به فإنه لا يعلم أنه مأمور إلا على رأي من يقول بتكليف ما لا يطاق . [ تفريع الغزالي على هذا الأصل ]

فرع الغزالي على هذا الأصل فروعا :

منها : لو علمت المرأة بالعادة أنها تحيض في أثناء النهار ، أو بقول نبي حيضا أو موتا أو جنونا ، فهل يلزمها نية الصوم حتى تصوم البعض ؟

قال : أما على مذهب المعتزلة فلا ينبغي اللزوم ، لأن بعض اليوم غير مأمور به ، وهي غير مأمورة بالكل ، وأما عندنا فالأظهر وجوبه ، لأن المرخص في الإفطار لم يوجد والأمر قائم في الحال ، والميسور لا يسقط بالمعسور . ا هـ .

وقد نوزع في قوله : " والأمر قائم في الحال " بقوله : في كتاب النسخ : إن جهل المأمور شرطه فكيف يكون الأمر قائما في الحال والمكلف عالم بطريان الحيض ، والآمر والمأمور كلاهما يعلمانه ؟

ومنها : لو قال : إن صليت أو شرعت في الصلاة أو في الصوم فزوجتي طالق ، ثم شرع ثم أفسدها أو مات أو جن ففي وقوع الطلاق خلاف يلتفت إلى هذا الأصل فلا يحنث على قياس مذهب المعتزلة ، ويحنث على قياس مذهبنا ، وكذا ذكر الآمدي هذا فرعا على هذا الأصل . وفيه نظر ، [ ص: 96 ] لأنه من باب وجود المشروط لوجود شرطه ، وإنما يكون من فروع هذا الأصل بتقدير أن يقول : إن صمت يوما كاملا من رمضان فأنت طالق في أثناء اليوم لكنه في هذه الصورة لا يقع لتخلف الشرط فإنه لم يصم يوما كاملا .

ومنها : لو أفسد يوما من رمضان بما يوجب الكفارة ثم مات أو جن أو حاضت في أثنائه سقطت عنه على الأصح . لا يقال : هذا يخالف الأصل المذكور ، فإن السقوط يدل على عدم الأمر به ، لأنا نقول : يحتمل أن يقال : وجوب الكفارة من خصائص وجوب صوم اليوم الذي لا يتعرض الانقطاع فيه .

ومنها : لو نذر الصيام يوم قدوم زيد ، وتبين له أنه غدا ، فنوى الصوم من الليل ، فإنه يجزئ عن نذره على الأصح ، ولم يقولوا : إنه يجب عليه بل اختلفوا في الإجزاء ، وقياس هذا الأصل الوجوب . والظاهر أن الغزالي يقول به كالحائض .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث