الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 50 ] الدليل يطلق في اللغة على أمرين : أحدهما : الرشد للمطلوب على معنى أنه فاعل الدلالة ، ومظهرها ، فيكون معنى الدليل الدال " فعيل " بمعنى الفاعل ، كعليم وقدير مأخوذ من دليل القوم ; لأنه يرشدهم إلى مقصودهم قال القاضي : والدال : ناصب الدلالة ومخترعها ، وهو الله سبحانه ، ومن عداه ذاكر الدلالة . وعند الباقين الدال ذاكر الدلالة ، واستبعد ، إذ الحاكي والمدرس لا يسمى دالا ، وهو ذاكر الدلالة ، فالأولى أن يقال : الدال ذاكر الدلالة على وجه التمسك بها . ويسمى الله تعالى دليلا بالإضافة . وأنكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب " الحدود " ، قال : ولا حجة في قولهم لله تعالى : يا دليل المتحيرين ; لأن ذلك ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة ، وإنما هو من قول أصحاب العكاكين . وحكى غيره في جواز إطلاق الدليل على الله وجهين مفرعين على أن الخلاف في أن أسماء الله هل تثبت قياسا أم لا ؟ لكن صح عن الإمام أحمد أنه علم رجلا أن يدعو ، فيقول : يا دليل الحيارى دلني على طريق الصادقين . الثاني : ما به الإرشاد ، أي : العلامة المنصوبة لمعرفة الدليل ، ومنه قولهم : العالم دليل الصانع ، ثم اختلفوا ، فقيل : حقيقة الدليل : الدال ، وقيل : بل العلامة الدالة على المدلول بناء على استعمال المعنيين في اللغة ، وقال صاحب الميزان " من الحنفية : الأصح : أنه في اللغة اسم للدال [ ص: 51 ] حقيقة ، وصار في العرف اسما للاستعمال فيكون حقيقة عرفية . وفي الاصطلاح : الموصل بصحيح النظر فيه إلى المطلوب . قال إمام الحرمين : ويسمى دلالة ومستدلا به ، وحجة ، وسلطانا ، وبرهانا وبيانا ، وكذلك قال القاضي أبو زيد الدبوسي في " تقويم الأدلة " قال : وسواء أوجب علم اليقين ، أو دونه . انتهى . وقال القاضي أبو الطيب : يسمى الدليل حجة وبرهانا . وقيل : بل هما اسم لما دل عليه صحة الدعوى . وقال الروياني في البحر " : في الفرق بين الدليل والحجة وجهان : أحدهما : أن الدليل ما دل على مطلوبك ، والحجة ما منع من ذلك والثاني : الدليل ما دل على صوابك . والحجة ما دفع عنك قول مخالفك . ا هـ . وخص المتكلمون اسم الدليل ما دل بالمقطوع به من السمعي والعقلي ، وأما الذي لا يفيد إلا الظن فيسمونه أمارة . وحكاه في التلخيص " عن معظم المحققين . [ ص: 52 ] وزعم الآمدي أنه اصطلاح الأصوليين أيضا ، وليس كذلك ، بل المصنفون في أصول الفقه يطلقون الدليل على الأعم من ذلك وصرح به جماعة من أصحابنا ، كالشيخ أبي حامد ، والقاضي أبي الطيب ، والشيخ أبي إسحاق ، وابن الصباغ . وحكاه عن أصحابنا ، وسليم الرازي ، وأبي الوليد الباجي من المالكية ، والقاضي أبي يعلى ، وابن عقيل والزاغوني من الحنابلة ، وحكاه في " التلخيص " عن جمهور الفقهاء وحكاه القاضي أبو الطيب عن أهل اللغة ، وحكي القول الأول عن بعض المتكلمين . قيل : ولعل منشأه قول بعضهم : إن الأدلة الظنية لا تحصل صفات تقتضي الظن كما تقتضي الأدلة اليقينية العلم ، وإنما يحصل الظن اتفاقا عندها ، ولهذا يقولون : إن الظنيات ليس فيها ترتيب ، وتقديم ، وتأخير ، وليس فيها [ ص: 53 ] خطأ في نفس الأمر كما يقول ذلك المصوبة . وقال ابن الصباغ : اختلف المتكلمون في إطلاق اسم الدليل على الظني ، وإنما قصد بهذه التسمية الفصل بين المعلوم والمظنون ، فأما في أصل الوضع فلم يختلفوا في أن الجميع يسمى دليلا وضعا . وكذلك قال ابن برهان ، وابن السمعاني : الفقهاء لا يفرقون بينهما ، وفرق بينهما المتكلمون ، وهو راجع إلى اللفظ دون المعنى . وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي في كتاب عيار النظر " : قال أبو الحسن الأشعري : معنى الدليل مظهر الدلالة ، ومنه دليل القوم ، وقال : إن تسمية الدلالة دليلا مجاز ، وإن كان إذا قيل له : لو كان الدليل مظهر الدلالة ، لوجب على المسئول عن الدلالة إذا قيل له : ما الدليل ؟ أن يقول : أنا ; لأنه هو المظهر للدلالة . أجاب بأنه لو قيل : من الدليل ؟ قال : أنا وإذا وقع السؤال بحرف " ما " عرف أن المراد به السؤال عن الدلالة ; لأن " ما " إنما يسأل به عما لا يوصف بالتمييز . وقال عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين : إن الدليل هو الدلالة ، وهو ما يتوصل به إلى معرفة ما لا يدرك بالحس والضرورة ، وعلى هذا فتسمية الدال على الطريق دليلا مجاز . ا هـ . وقال القاضي أبو الطيب : الدلالة مصدر قولك : دل يدل دلالة ويسمى دليلا مجازا من باب تسمية الفاعل باسم المصدر . كقولهم : رجل صوم [ ص: 54 ] وأما الدال : فاختلف أصحابنا فيه ، فقيل : هو الدليل ، وقيل : هو الناصب للدليل ، وهو الله تعالى الذي نصب أدلة الشرع والعقل .

قال الإمام : وليس للدليل تحصيل سوى تجريد الفكر من ذي فكرة صحيحة إلى جهة يتطرق إلى مثلها تصديق ، أو تكذيب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث