الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

346 (باب صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)

ولفظ النووي: (باب آخر في صفة الوضوء).

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 121 - 123 ج3 المطبعة المصرية

[عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري وكانت له صحبة قال: قيل له توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف واحدة، ففعل ذلك ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 474 ]

التالي السابق


[ ص: 474 ] (الشرح)

(عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري) رضي الله عنه وهو غير صاحب الأذان، "وكانت له صحبة". قال: قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فدعا بإناء فأكفأ"، أي: أمال وصب "منها"؛ أي من "المطهرة"، أو "الإداوة" "على يديه".

"وفيه" استحباب غسل "الكفين" قبل غمسهما في الإناء.

"فغسلهما "ثلاثا"، ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض، واستنشق، من كف واحدة، ففعل ذلك "ثلاثا".

وزاد في رواية بعدها: "واستنثر من ثلاث غرفات".

"وفيه"، أن السنة فيهما أن يكون "بثلاث غرفات". يتمضمض، ويستنشق، من كل واحدة منها.

وفي المسألة "خلاف"، وفي الزيادة المذكورة حجة على أن الاستنثار غير الاستنشاق، خلافا لما قاله ابن الأعرابي وابن قتيبة: إنهما بمعنى واحد.

واختلفوا في وجوب المضمضة، والاستنشاق، على أربعة مذاهب.

أرجحها دليلا، وأصحها قيلا، "الوجوب"؛ ولا يصح الوضوء والغسل إلا بهما.

ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل وجهه "ثلاثا".

ولفظ البخاري: "ثم أدخل يديه، فاغترف بهما، فغسل وجهه "ثلاثا".

[ ص: 475 ] "وفيه، أيضا من رواية ابن عباس "ثم أخذ غرفا فجعل بها هذا؛ أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ".

وفي "سنن أبي داود"، "والبيهقي" من رواية علي رضي الله عنه في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم: "ثم أدخل يديه في الإناء جميعا، فأخذ بهما "حفنة" من ماء، فضرب بها على وجهه".

فهذه أحاديث، في بعضها يده، وفي بعضها "يديه" وفي بعضها "يده وضم إليها الأخرى"، وهي دالة على جواز الأمور الثلاثة. وأن الجميع "سنة".

ويجمع بين الأحاديث بأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك مرات.

"ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل يديه إلى المرفقين، مرتين مرتين".

"فيه" دلالة على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها "ثلاثا"، وبعضها "مرتين"، وبعضها "مرة".

وهذا جائز، والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شك، ولكن المستحب تطهير الأعضاء كلها "ثلاثا ثلاثا". وأنه تمام السنة.

وإنما كانت مخالفتها من النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات بيانا للجواز، كما توضأ صلى الله عليه وسلم "مرة" في بعض الأوقات؛ بيانا "للجواز".

وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه صلى الله عليه وسلم؛ لأن البيان واجب عليه، وأنه بالفعل أوقع في النفوس من القول، وأبعد من التأويل.

[ ص: 476 ] وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه، واليدين، والرجلين، واستيعاب جميعهما بالغسل.

وقد تظاهرت النصوص بإيجاب غسلهما، وكذلك اتفق كل من نقل وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه غسلهما.

"ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر".

وهذا مستحب باتفاق أهل العلم، فإنه طريق إلى استيعاب الرأس، ووصول الماء إلى جميع شعره.

وليس في الحديث دلالة لوجوب استيعاب الرأس بالمسح.

وأجمعوا على وجوب مسح الرأس.

وإنما الخلاف في قدر الواجب فيه؛ والراجح ما يصح عليه إطلاق اسم "المسح" ولو شعرة واحدة. وتمام السنة فيه تمام الرأس.

"ثم غسل رجليه إلى الكعبين".

"والكعبان" العظمان الناتئان بين الساق والقدم، وفي كل رجل "كعبان".

والأدلة في المسألة كثيرة، وقد جاءنا بهذا الفعل من جاءنا بالقرآن الدال على مسحهما.

"وفيه" بحث طويل جدا ومقاولات، ومناظرات، ومشاجرات، ليس في ذكرها كثير فائدة هنا.

[ ص: 477 ] والحق أن القرآن نطق "بالمسح" والسنة نطقت "بالغسل"؛ "والسنة" مفسرة للكتاب قاضية عليه.

ثم اتفق الجمهور على أنه يكفي في غسل الأعضاء في "الوضوء" "والغسل" جريان الماء على الأعضاء. ولا يشترط "الدلك".

وانفرد مالك، والمزني، باشتراطه.

والراجح "وجوب الدلك في الغسل"، لغة. والله أعلم.

"ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فهذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة.

وقد ورد في الصحيحين وغيرهما من صفات وضوئه صلى الله عليه وسلم كثير طيب؛ وكل هيئاته شاف كاف واف. والكل سنة.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث