الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

للإسلام أصلان فقط القرآن والسنة الصحيحة

للإسلام أصلان فقط : القرآن والسنة الصحيحة

وحاصل الكلام هنا : أن كل سبيل يخالف سبيل الله ورسوله - اللذين هما عبارتان عن اتباع الكتاب والسنة ، واقتداء الحديث والقرآن - ، فإنه سبيل النار ، وعليه شيطان ظاهر أو خفي يدعو إليها .

ومعيار ذلك عرض المجتهدات والقياسات من كل مذهب - مسمى بأي اسم مما اشتهر أو لم يشتهر - على هذين الأصلين اللذين لا ثالث لهما ، فضلا عن الرابع .

فما وافق منها صرائح الكتاب والسنة ، وظواهر القرآن والحديث ، فهو الحقيق بالأخذ ، والاتباع ، والاهتداء ، والاقتداء .

وما خالفها ، فهو رد على صاحبه ، مضروب به في وجهه ، كائنا من كان ، وفي أي محل من الأرض أقام .

وإنما حصرنا الأصول في كتاب الله تعالى ، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم; لأن الأمة مأمورة بهما .

والاحتجاج بالإجماع فيه أنظار وأقوال لأهل العلم . والصحيح عدم وجوده مع الإمكان كما حققه في «إرشاد الفحول» ، و «حصول المأمول» ، وغيرهما .

ولهذا أنكره إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رضي الله عنه - .

فما ظنك بالقياس الذي قاسه واحد من أهل العلم من آحاد الأمة ، الذي هو أيضا متعبد بهما كسائر الأمة؟ .

[ ص: 37 ] فمن قدم اجتهادا فقهيا ، أو قياسا فرعيا ، أو رأيا فلسفيا ، أو هوى بدعيا ، أو اعتقادا شركيا ، على أدنى سنة جاءت من صاحب السنة وشارعها عند أهل السنة ، فليس هو من الفرقة الناجية ، وسالكي سبيل الله في ورد ولا صدر; لأن من خالف كتاب الله ، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم قدر رأس شعرة ، فقد ضل ضلالا بعيدا ، وخرج من دائرة الإسلام خروجا شديدا .

وكيف يصح أن يطلق عليه اسم أهل السنة والجماعة ، وهو تارك السنة ، ومفارق الجماعة ، سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وجماعة الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم؟

وإنما مصداق هذا الاسم من هو على سيرة السلف ، من اتباع القرآن والحديث ، يحب لله ، ويبغض في الله ، ولا يخاف في ذات الإله لومة لائم ، ولا يخوض فيما لا يعنيه ، ولا يقلد أحدا في خلاف الشارع - عليه السلام - .

وليس في مدينة قلبه راية إلا راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا لواء إلا لواء كتاب الله ، فما أحقه بهذا الاسم الشريف ، واللقب المنيف !!

وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن لا يكون هواه تبعا لما جاء به والذي جاء هو به ، هو القرآن ومثله معه ، بل أكثر منه وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [النجم : 3- 4] .

روي في «محيي السنة في شرح السنة» عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» .

أي : من الدين الصادق ، والشريعة الحقة ، لا من الإكراه وخوف السيف; كالمنافقين . و «الهوى» : هو ميل النفس من الحق إلى الباطل .

قال في «أشعة اللمعات» : إن كان المراد بالمتابعة : الاتباع في الاعتقاد ، والعمل ، والعبادات ، والعادات على وجه الكمال ، والتسليم ، والرضاء بأحكامه صلى الله عليه وسلم ، عند معارضة داعية الحق ، وباعثة الهوى ، فالمراد : نفي الإيمان الكامل .

[ ص: 38 ] وإن كان المراد بها : التبعية في اختيار دين الإسلام وحقيته ، فالمراد : نفي أصل الإيمان .

وقال : «تبعا» ، ولم يقل : منتفيا ولا منعدما ، لأن الانتفاء والانعدام مطلقا غير ممكن ، وأيضا ليس بكمال ، ولا موجب أجر وثواب ، بل الكمال أن يكون الهوى ، ولكن يكون تابعا للحق ، منقادا لأمره .

قال النووي في «أربعينه» : هذا حديث صحيح رويناه في كتاب «الحجة» بإسناد صحيح .

وعن بلال بن الحارث المزني - بضم الميم ، وفتح الزاي ، وكسر النون رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي» ; أي : تركت ، وهجرت ، وضيعت .

والمراد بإحيائها . إظهارها ، وإشاعتها بالقول والعمل ، كما في «المرقاة» .

وفيه : أن سننه صلى الله عليه وسلم تموت بعده ، وقد وقع كذلك ، فهذا الحديث علم من أعلام النبوة . «فإن له من الأجر مثل أجور من عمل بها ، من غير أن ينقص أجورهم شيئا» يعني : يؤجر العاملون بها أجرا كاملا تاما ، ويؤجر محييها أيضا أجرا سابغا كاملا ، لا يتطرق إلى أجورهم وأجره نقصان ، وذلك من آثار رحمة الله على عباده المتبعين ، وقد سبقت رحمته على غضبه للمسلمين الموحدين ، وهذه بشارة لو أنفق عليها الأنفس والأموال ، لكان حقيقا بذلك ، اللهم وفقنا بما هنالك . «ومن ابتدع بدعة ضلالة ، لا يرضاها الله ورسوله» .

قال في «المرقاة» : قيد به; لإخراج البدعة الحسنة .

وزاد في «أشعة اللمعات» : لأن فيها مصلحة الدين ، وتقويته ، وترويجه .

انتهى .

وأقول : هذا غلط فاحش من هذين القائلين; لأن الله ورسوله لا يرضيان بدعة ، أي بدعة كانت .

ولو أراد النبي صلى الله عليه وسلم إخراج الحسنة منها ، لما قال فيما تقدم من الأحاديث :

[ ص: 39 ] كل بدعة ضلالة ، وكل محدثة بدعة ، وكل ضلالة في النار .

كما ورد بهذا اللفظ حديث آخر ، بل هذا اللفظ ليس بقيد في الأصل ، هو إخبار عن الإنكار على البدع ، وأنها مما لا يرضاه الله ولا رسوله .

ويؤيده قوله تعالى : ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم [الحديد : 27] .

وأما ظن مصلحة الدين وتقويته فيها ، فمن وادي قوله سبحانه : إن بعض الظن إثم [الحجرات : 12] .

ولا أدري ما معنى قوله سبحانه : إن بعض الظن إثم ولا أدري ، معنى قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [المائدة : 3] إن كانت تلك المصلحة في ترويج البدعات .

يا لله العجب من أمثال هذه القالة! ألم يعلموا أن في إشاعة البدع إماتة السنن ، وفي إماطتها إحياء الدين وعلومه؟ والذي نفسي بيده! إن دين الله الإسلام كامل تام غير ناقص ، لا يحتاج إلى شيء في إكماله وإتمامه ، ونصوصه مع أدلة السنة المطهرة كافية وافية شافية لجميع الحوادث والقضايا إلى يوم القيامة ، يعرف ذلك من هو قال لهما ، مدرس فيها بفهم صحيح ، عالم بهما بقلب سليم ، له يد طولى في مذاكرتهما .

غير أن أهل الرأي الذين لا يرفعون إليهما رؤوسهم ، ولا يبالون بالمواعيد التي جاءت بها السنة على ترك الاعتصام بذيلهما لا يكادون يفقهون حديثا : وبأي حديث بعده يؤمنون .

فهم ليسوا من أهل العلم عند التحقيق ، وإن عدوا من أعلام الدنيا وفحول الفقه ، حتى يعتد بهم في هذا الخلاف .

«كان عليه من الإثم مثل آثام من عمل بها ، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا» بل هو وهم متساوون في وزر الابتداع ، وعقاب الضلال والإضلال. رواه [ ص: 40 ] الترمذي ، ورواه ابن ماجه عن كثير بن عبد الله بن عمر عن أبيه ، عن جده .

وفي معناه حديث أبي هريرة - رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من دعا إلى هدى ، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة ، كان عليه من الإثم ، مثل آثام من تبعه ، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» رواه مسلم .

والمعنى : من دعا بالفعل ، أو بالقول . والله أعلم .

عن عمرو بن عوف الأنصاري - رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الدين ليأرز إلى الحجاز» ; أي ينضم ، وفي حديث أبي هريرة : «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» بتقديم : الجيم المضمومة على الحاء المهملة .

والحية أشد فرارا وانضماما بالنسبة إلى الدواب الأخرى ، فلذا شبه الإيمان بها في الجمع والضم .

والحجاز يعم «مكة» و «المدينة» ، وفيه بيان فضيلة الحرمين الشريفين - زادهما الله تعظيما وتشريفا - ، «وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل» يعني : يلوذ الدين بأرض الحجاز ويأخذها ملجأ ومسكنا ، ويرجع إليها حين تظهر الفتن ، ويستولي أهل الكفر والفساد في آخر الزمان ، عند خروج الدجال كما تلوذ الشاة الجبلية ، وهي الأروية ، وخصها بعضهم بالأنثى من المعز الجبلي .

و «المعقل» . مصدر ميمي ، بمعنى العقل .

«إن الدين بدا غريبا» بدا بلا همزة بمعنى : ظهر ، لكن قال النووي : ضبطناه بالهمزة من الابتداء ، كذا نقله الأبقري . حكى ذلك في «المرقاة» .

«وسيعود كما بدا» يعني : كان أهل الدين في الصدر الأول وابتداء الإسلام غرباء ، ينكرهم الناس ، ولا يخالطونهم ، فكذا يكون في آخر الزمان عند ظهور الفتن .

[ ص: 41 ] وهذا الحديث علم من أعلام النبوة ، حيث وقع ما أخبر به ، ووجد مصداقه من زمن كثير .

«فطوبى للغرباء ، وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي» . رواه الترمذي .

وروى مسلم عن أبي هريرة بلفظ : «بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود كما بدأ ، فطوبى للغرباء» . انتهى .

فالمراد بـ «الدين» في حديث الباب ، الإسلام ، كما قال تعالى : إن الدين عند الله الإسلام .

وفيه بشارة للغرباء ، وبيان فضيلتهم ، وأنهم مصلحون للسنن التي أفسدها الناس; بترك العمل بها ، وعدم إشاعتها بإحداث البدع في مقابلتها .

قال السيد : يريد : أن الإسلام لما بدأ في أول الوهلة ، نهض بإقامته قليلون من أشياع الرسول ، فشردهم القبائل عن البلاد ، فأصبحوا غرباء ، ثم يعود آخرا إلى ما كان عليه ، لا يكاد يوجد من العاملين به إلا الأفراد . انتهى .

قلت : وهكذا حال أهل السنة في هذا العصر; فإنهم أصبحوا غرباء ، يرميهم كل مشرك ومبتدع بكل حجر ومدر ، في كل قطر ، إلا ما شاء الله ، وينالون منهم كل نيل بتأليف الكتب الرادة عليهم ، وتقبيحهم باللسان ، والقدح فيهم على إصلاح فاسد السنن ، وإماتة البدع ودفع الفتن .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث