الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل المراعى في السفر السير

فصل: المراعى في السفر السير

والمراعى في السفر السير، ولا يضاف إليه الرجوع، فمن خرج لسفر أربعة وعشرين ميلا ثم يعود من فوره - لم يقصر. وقال مالك في الرجل يدور في القرى وليس بين منزله وبين أقصاها أربعة برد أنه لا يقصر. يريد: أنه لا يحسب من ذلك ما كان في معنى الرجوع. وإن خرج يمينا ثم أماما ثم شمالا ثم يعطف راجعا حتى يدخل البلد الذي خرج منه فإنه يحسب ما كان يمينا وأماما وشمالا ما لم يستدر فيصير وجهه -في تصرفه ذلك الذي كان يدور فيه- إلى البلد الذي خرج منه; لأنه كالراجع فلا يحتسب مع ما تقدم إذا كانت نيته الرجوع إلى البلد الذي خرج منه، إلا أن يكون فيما خرج به لبيعه، ويطوف به على تلك الأماكن مما يشك هل ينقضي بيعه فيه قبل أن يسير ما تقصر بمثله الصلاة، فإنه يتم; لأن الأصل الإتمام، فلا ينتقل إلى القصر بالشك في غاية سفره.

والشك على ثمانية أوجه:

أولها: أن يشك هل يسافر أم لا؟ كالذي يبرز للسفر، فإن أدركه صاحبه سافر، وإلا لم يسافر، أو يكون طريقه على صاحب له لا يسافر إلا بسفره.

والثاني: أن يكون عازما على السفر، ولا يدري متى يفصل من المكان الذي يبرز إليه.

والثالث: أن يكون الشك في مدة السفر، كالذي يخرج لطلب آبق أو ضالة لا يدري يقرب وجود ذلك أم لا، أو خرج يطوف القرى بما يبيعه، ولا يدري [ ص: 465 ] يقرب البيع والرجوع أم لا.

والرابع: أن يصح سفره ويشك هل يرتفع حكم سفره؟ كالذي يتقدم له سفر يقصر فيه ثم يقدم بلدا لبيع ما معه ولا يدري أيقيم أربعة أيام أم لا؟

والخامس: أن يخرج عن بلده أميالا ثم يذكر حاجة فيبعث رسوله ليأتيه بها.

والسادس: أن يرجع بنفسه.

والسابع: أن يكون سفره في البحر فترده الريح.

والثامن: أن يرده الغاصب.

فإن برز ليدركه صاحبه وكان لا يسير إلا بسيره وهو على شك هل يدركه أم لا - أتم. وإن كان على وعد وثقة من لحوقه قبل أربعة أيام - قصر، وإن كان على شك هل يلحقه قبل أربعة أيام أم لا - أتم.

وقال مالك في سماع أشهب في الذين يكترون من مصر إلى الحج، ويبرزون على بريد ويحبس الناس هناك اليوم واليومين، قال: أحب إلي أن يتموا; لأنهم لا يدرون متى يسار بهم. فهؤلاء عازمون على السفر، إلا أنهم لم يسيروا منه ما تقصر فيه الصلاة، وأمرهم في فصولهم بيد غيرهم، فكانوا على الأصل وهو الإتمام.

وإن خرج لطلب آبق أو ضالة فإنه يتم; لأنه لا يدري هل يقرب وجوده [ ص: 466 ] أم لا، قال مالك: ولو سافر أياما فإنه يتم فإذا رجع قصر. واستحسن إذا سافر مدة تقصر في مثلها ثم أخذ في التمادي في الطلب - أن يقصر حينئذ، بخلاف من كانت نيته لسفر قريب ثم زاد عليه; لأن هذا كان شاكا في مبتدأ سفره فتبين بعد ذلك أنه بعيد، فيعمل في التمادي على ما تبين.

وإذا قدم من بلد بعيد وكان يقصر الصلاة ليبيع تجارة معه، وهو على شك في مدة إقامته في البلد الذي قدمه والتصرف فيما معه هل ذلك أربعة أيام أو أكثر أو أقل فإنه يتم; لأن غاية سفره قد بلغه وانقضى، والرجوع إحداث سفر ثان. قال مالك في المبسوط: إلا أن تكون حاجتهم عند من يعلم أنه سيفرغ منها في يومين أو ثلاثة فليقصر، فإن شك أتم.

وفي كتاب محمد فيمن سافر فلما بلغ أقل من أربعة برد وجه رفيقا كان معه إلى المنزل الذي خرج منه إلا أن هذا لا خروج له للوجه الذي أراد، حتى يرجع إليه رسوله، قال: لا يزال مقصرا. ورأى أنه لما كان باقيا بنفسه أنه على حكم السفر، وإن شك في مقامه إلى أن يعود رسوله هل يقيم أربعة أيام أم لا؟ واختلف إذا رجع بنفسه ففي كتاب محمد أنه في رجوعه على حكم السفر - يقصر حتى يدخل البلد، فإذا دخله وكان له بها أهل أتم، وإن لم يكن له بها أهل قصر. وإن كان قبل سفره يتم بها فإنه لا يتم الآن; لأنه خرج رافضا لذلك المقام لما لم تكن نيته الرجوع إليه. قال محمد: وقد اختلف في هذا الأصل قول مالك. [ ص: 467 ]

وقال ابن القاسم في المجموعة: يتم في رجوعه. ورأى أن حكم السفر قد سقط لما أخذ في الرجوع فيتم في رجوعه، وفي البلد الذي يعود إليه إذا كان قبل خروجه يتم به.

واختلف فيمن خرج مسافرا في البحر فسافر أياما ثم ردته الريح، قال مالك: يتم الصلاة. يريد: في رجوعه، وفي البلد الذي أقلع منه وإن لم يكن وطنه إذا كان يتم فيه; لأنه لم يصح رفضه.

وقال سحنون: يقصر إذا لم يكن له مسكنا. يريد: لما لم يكن رجوعه باختيار من نفسه فكان كالمكره على الرجوع.

والقول الأول أبين; لأنه في شك من أول سفره إذا كان سفره بالريح، فكان الحكم فيه بمنزلة ما تقدم ذكره فيمن لا يسير إلا بسير صاحبه. ولو رده غاصب لكان على القصر في رجوعه وفي إقامته إلا أنه لا يقصر ثانية إلا أن ينوي إقامة أربعة أيام.

وقال مالك فيمن دخل مكة فأقام بها بضع عشرة ليلة، ثم بدا له فخرج [ ص: 468 ] إلى الجحفة ليعتمر منها ثم يقيم بمكة اليوم واليومين ثم يخرج أنه يتم بمكة; لأنها كانت له وطنا. وقال أيضا: يقصر بها. وهو أبين; لأنه قد سافر إلى مدة يقصر في مثلها الصلاة، فصار بذلك رافضا للمقام الأول. ولو خرج من مكة ليعتمر من التنعيم ثم يخرج من فوره لأتم في خروجه إلى العمرة وفي رجوعه وفي مكة إذا رجع; لأن هذه كانت نيته لما خرج: العودة إلى مكة; فلم يصح رفض مقامه الأول لما كان خروجه إلى الأميال اليسيرة، يفارق بذلك من كان خروجه على ألا يعود ثم حدثت نيته في العودة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث