الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الهبات متقاربة اللفظ مختلفة الأحكام

فصل في الهبات متقاربة اللفظ مختلفة الأحكام

وقد أتت هبات متقاربة اللفظ مختلفة الأحكام حمل بعضها على هبة الرقاب، وبعضها على هبة المنافع، وهو أن يقول كسوتك هذا الثوب وأخدمتك هذا العبد وحملتك على هذا البعير أو الفرس وأسكنتك هذه الدار أو أعمرتك، فحمل قوله أخدمتك أو أسكنتك وأعمرتك على أنها هبة منافع حياة المخدم والمسكن والمعمر.

وقوله كسوتك هذا الثوب وحملتك على هذا البعير أو الفرس على هبة الرقاب، وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي هو عنده فوجدته يباع فأردت أن أبتاعه. . ." الحديث .

ومحمل العمرى على هبة المنافع عمر المعطى، وقال ابن القاسم في المدونة في من أعمر عبدا أو دابة أو ثوبا أو شيئا من العروض، قال: أما الدواب والحيوان والرقيق فتلك التي سمعنا فيها العمرى، وأما الثياب فهي عندي على ما أعاره عليه . يريد أنه: إن مات المعطي وقد بقي منها شيء رجع إلى المعطى، وإلا فلا [ ص: 6044 ] شيء له، وقد اختلف الناس في قوله: أعمرتك، فحمله مالك -رحمه الله- على عمر المعطى ويكون ملكا للمعطي ، وقال ابن فارس في مجمل اللغة: العمرى أن يقول: أعطيتك هذه الدار عمرك أو عمري ، والعمرى ثلاثة مقيدة بأجل أو حياة المعمر، ومطلقة ومعقبة ، فإن كانت مقيدة بأجل فقال: أعمرتك هذه الدار سنة أو عشرا أو حياتك أو حياتي كانت على ما أعطي، فإذا انقضى ذلك الأمد رجعت إلى المعطي; لأن هذه هبة منافع، ولا يلزم الواهب أكثر مما أعطى، فمن أعطى منفعة دار لم يلزمه أن يعطي رقبتها، وإن أطلق ولم يقيد كان محمله على عمر المعطى حتى يقول عمري أو حياتي، وإن أعقبها فقال: أعمرتكها أنت وعقبك لم ترجع إليه إلا أن ينقرض العقب، ومحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي يعطاها لا ترجع للذي أعطاها; لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. أنه لا يرجع فيه الآن، ولا إن مات لأن الذي باشره بالعطية لحق من بقي من العقب; لأنهم يرثون منافعها إلى آخر العقب قرنا بعد قرن، فإذا انقرضوا رجعت، ويحتمل أن يكون أراد ألا ترجع بحال; لأن الغالب من العقب أنهم لا ينقرضون، فجوابه على الغالب، فإن قدر أن انقرضوا، رجعت. [ ص: 6045 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث