الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين "

[ ص: 173 ] القول في تأويل قوله ( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ( 125 ) ( 124 ) )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ، إذ تقول للمؤمنين بك من أصحابك : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ؟ وذلك يوم بدر .

ثم اختلف أهل التأويل في حضور الملائكة يوم بدر حربهم ، في أي يوم وعدوا ذلك ؟

فقال بعضهم : إن الله عز وجل كان وعد المؤمنين يوم بدر أن يمدهم بملائكته ، إن أتاهم العدو من فورهم ، فلم يأتوهم ، ولم يمدوا .

ذكر من قال ذلك :

7743 - حدثني حميد بن مسعدة قال : حدثنا بشر بن المفضل قال : حدثنا داود ، عن عامر قال : حدث المسلمون أن كرز بن جابر المحاربي يمد المشركين ، قال : فشق ذلك على المسلمين ، فقيل لهم : "ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " ، قال : فبلغت كرزا الهزيمة ، فرجع ، ولم يمدهم بالخمسة . [ ص: 174 ]

7744 - حدثني ابن المثنى قال : حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا داود ، عن عامر قال : لما كان يوم بدر بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر نحوه ، إلا أنه قال : " ويأتوكم من فورهم هذا " - يعني كرزا وأصحابه - "يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " ، قال : فبلغ كرزا وأصحابه الهزيمة ، فلم يمدهم ، ولم تنزل الخمسة ، وأمدوا بعد ذلك بألف ، فهم أربعة آلاف من الملائكة مع المسلمين .

7745 - حدثني محمد بن سنان قال : حدثنا أبو بكر الحنفي ، عن عباد عن الحسن في قوله : " إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة " ، الآية كلها ، قال : هذا يوم بدر .

7746 - حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي قال : حدث المسلمون أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين ببدر ، قال : فشق ذلك على المسلمين; فأنزل الله عز وجل ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم " إلى قوله : " من الملائكة مسومين " ، قال : فبلغته هزيمة المشركين ، فلم يمد أصحابه ، ولم يمدوا بالخمسة .

وقال آخرون : كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر ، فصبر المؤمنون واتقوا الله ، فأمدهم بملائكته على ما وعدهم .

ذكر من قال ذلك :

7747 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق قال : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن بعض بني ساعدة قال : سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما أصيب بصره يقول : لو كنت معكم ببدر الآن [ ص: 175 ] ومعي بصري ، لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة ، لا أشك ولا أتمارى .

7748 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة قال : قال ابن إسحاق ، وحدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن بعض بني ساعدة ، عن أبي أسيد مالك بن ربيعة ، وكان شهد بدرا : أنه قال بعد إذ ذهب بصره : لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري ، لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة ، لا أشك ولا أتمارى .

7749 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق قال : حدثني عبد الله بن أبي بكر : أنه حدث عن ابن عباس : أن ابن عباس قال : حدثني رجل من بني غفار قال : أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ، ونحن مشركان ، ننتظر الوقعة ، على من تكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب . قال : فبينا نحن في الجبل ، إذ دنت منا سحابة ، فسمعنا فيها حمحمة الخيل ، فسمعت قائلا يقول : أقدم حيزوم . قال : فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه ، وأما أنا فكدت أهلك ، ثم تماسكت .

7750 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق قال : وحدثني الحسن بن عمارة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث ، عن عبد الله بن عباس قال : لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر ، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون .

7751 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة قال : قال محمد بن إسحاق ، [ ص: 176 ] حدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن رجال من بني مازن بن النجار ، عن أبي داود المازني ، وكان شهد بدرا قال : إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه ، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي ، فعرفت أن قد قتله غيري .

7752 - حدثني ابن حميد قال : حدثنا سلمة قال : قال محمد : حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة مولى ابن عباس قال : قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب ، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت ، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت . وكان العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم ، وكان يكتم إسلامه ، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه . وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة . وكذلك صنعوا ، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا . فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا . قال : وكنت رجلا ضعيفا ، وكنت أعمل القداح أنحتها في حجرة زمزم ، فوالله إني لجالس فيها أنحت القداح ، وعندي أم الفضل جالسة ، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر ، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طنب الحجرة ، فكان ظهره إلى ظهري . فبينا هو جالس إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم! قال : قال أبو لهب : هلم إلي يا ابن أخي ، فعندك الخبر! قال : فجلس إليه والناس قيام عليه ، فقال : يا ابن أخي أخبرني ، كيف كان أمر الناس ؟ قال : لا شيء والله ، إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاءوا! وايم الله ، [ ص: 177 ] مع ذلك ما لمت الناس ، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق ما بين السماء والأرض ما تليق شيئا ، ولا يقوم لها شيء . قال أبو رافع : فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت : تلك الملائكة!

7753 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن محمد قال : حدثني الحسن بن عمارة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : كان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة ، وكان أبو اليسر رجلا مجموعا ، وكان العباس رجلا جسيما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر : "كيف أسرت العباس أبا اليسر ؟ ! قال : يا رسول الله ، لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده ، هيئته كذا وكذا! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لقد أعانك عليه ملك كريم " .

7754 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين " ، أمدوا بألف ، ثم صاروا ثلاثة آلاف ، ثم صاروا خمسة آلاف " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " ، [ ص: 178 ] وذلك يوم بدر ، أمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة .

7755 - حدثت عن عمار ، عن ابن أبي نجيح ، عن أبيه ، عن الربيع ، بنحوه .

7756 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله : " يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " ، فإنهم أتوا محمدا صلى الله عليه وسلم مسومين .

7757 - حدثني محمد بن بشار قال : حدثنا سفيان ، عن ابن خثيم ، عن مجاهد قال : لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر .

وقال آخرون : إن الله عز وجل : إنما وعدهم يوم بدر أن يمدهم إن صبروا عند طاعته وجهاد أعدائه ، واتقوه باجتناب محارمه ، أن يمدهم في حروبهم كلها ، فلم يصبروا ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب ، فأمدهم حين حاصروا قريظة .

ذكر من قال ذلك :

7758 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال : حدثنا عبيد الله بن موسى قال : أخبرنا سليمان بن زيد أبو إدام المحاربي ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كنا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله أن نحاصرهم ، فلم يفتح علينا ، فرجعنا ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فهو يغسل رأسه ، إذ جاءه جبريل صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة ، فلف بها رأسه ولم يغسله ، ثم نادى فينا فقمنا [ ص: 179 ] كالين معيين لا نعبأ بالسير شيئا ، حتى أتينا قريظة والنضير ، فيومئذ أمدنا الله عز وجل بثلاثة آلاف من الملائكة ، وفتح الله لنا فتحا يسيرا ، فانقلبنا بنعمة من الله وفضل .

وقال آخرون بنحو هذا المعنى ، غير أنهم قالوا : لم يصبر القوم ولم يتقوا ولم يمدوا بشيء في أحد .

ذكر من قال ذلك :

7759 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : حدثني عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، سمعه يقول : " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا " ، قال : يوم بدر . قال : فلم يصبروا ولم يتقوا فلم يمدوا يوم أحد ، ولو مدوا لم يهزموا يومئذ . [ ص: 180 ]

7760 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال : سمعت عكرمة يقول : لم يمدوا يوم أحد ولا بملك واحد أو قال : إلا بملك واحد ، أبو جعفر يشك .

7761 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال : سمعت أبا معاذ قال : سمعت عبيد بن سليمان ، عن الضحاك ، قوله : " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف " إلى "خمسة آلاف من الملائكة مسومين " ، كان هذا موعدا من الله يوم أحد عرضه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أن المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين; ففر المسلمون يوم أحد وولوا مدبرين ، فلم يمدهم الله .

7762 - حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا " الآية كلها . قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم ينظرون المشركين : يا رسول الله ، أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين " ، وإنما أمدكم يوم بدر بألف ؟ " قال : فجاءت الزيادة من الله على أن يصبروا ويتقوا ، قال : بشرط أن يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم . الآية كلها .

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ؟ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ، ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف ، خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله . ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف ، ولا بالخمسة آلاف ، ولا على أنهم لم يمدوا بهم .

وقد يجوز أن يكون الله عز وجل أمدهم ، على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم وقد يجوز أن يكون لم يمدهم على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك . ولا خبر [ ص: 181 ] عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف . وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به . ولا خبر به كذلك ، فنسلم لأحد الفريقين قوله . غير أن في القرآن دلالة على أنهم قد أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة ، وذلك قوله : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) [ سورة الأنفال : 9 ] فأما في يوم أحد ، فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أمدوا . وذلك أنهم لو أمدوا لم يهزموا ، وينال منهم ما نيل منهم . فالصواب فيه من القول أن يقال كما قال تعالى ذكره .

وقد بينا معنى "الإمداد " فيما مضى ، "والمدد " ، ومعنى "الصبر " و "التقوى . "

وأما قوله : "ويأتوكم من فورهم هذا " ، فإن أهل التأويل اختلفوا فيه .

فقال بعضهم : معنى قوله : "من فورهم هذا " ، من وجههم هذا .

ذكر من قال ذلك :

7763 - حدثنا حميد بن مسعدة قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن عثمان بن غياث ، عن عكرمة قال : " ويأتوكم من فورهم هذا " ، قال : من وجههم هذا .

7764 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : " من فورهم هذا " ، يقول : من وجههم هذا .

7765 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله .

7766 - حدثنا محمد بن سنان قال : حدثنا أبو بكر الحنفي قال : حدثنا عباد ، عن الحسن في قوله : " ويأتوكم من فورهم هذا " ، من وجههم هذا . [ ص: 182 ]

7767 - حدثت عن عمار بن الحسن ، عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قوله : " ويأتوكم من فورهم هذا " ، يقول : من وجههم هذا .

7768 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " ويأتوكم من فورهم هذا " يقول : من وجههم هذا .

7779 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ويأتوكم من فورهم هذا " ، يقول : من سفرهم هذا ويقال - يعني عن غير ابن عباس - بل هو من غضبهم هذا .

7770 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : "من فورهم هذا " ، من وجههم هذا .

وقال آخرون : معنى ذلك : من غضبهم هذا .

ذكر من قال ذلك :

7771 - حدثني محمد بن المثنى قال : حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا داود ، عن عكرمة في قوله : " ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة " ، قال : "فورهم ذلك " ، كان يوم أحد ، غضبوا ليوم بدر مما لقوا .

7772 - حدثني محمد بن عمارة قال : حدثنا سهل بن عامر قال : حدثنا مالك بن مغول قال : سمعت أبا صالح مولى أم هانئ يقول : " من فورهم هذا " ، يقول : من غضبهم هذا .

7773 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " ويأتوكم من فورهم هذا " ، قال : غضب لهم ، يعني الكفار ، فلم يقاتلوهم عند تلك الساعة ، وذلك يوم أحد .

7774 - حدثني القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا حجاج قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد : " من فورهم هذا " ، قال : من غضبهم هذا . [ ص: 183 ]

7775 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال : سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد بن سليمان قال سمعت الضحاك ، في قوله : " ويأتوكم من فورهم هذا " ، يقول : من وجههم وغضبهم .

قال أبو جعفر : وأصل "الفور " ، ابتداء الأمر يؤخذ فيه ، ثم يوصل بآخر ، يقال منه : "فارت القدر فهي تفور فورا وفورانا " إذا ابتدأ ما فيها بالغليان ثم اتصل . و "مضيت إلى فلان من فوري ذلك " ، يراد به : من وجهي الذي ابتدأت فيه .

فالذي قال في هذه الآية : معنى قوله : "من فورهم هذا " ، من "وجههم هذا " قصد إلى أن تأويله : ويأتيكم كرز بن جابر وأصحابه يوم بدر من ابتداء مخرجهم الذي خرجوا منه لنصرة أصحابهم من المشركين .

وأما الذين قالوا : معنى ذلك : من غضبهم هذا فإنما عنوا أن تأويل ذلك : ويأتيكم كفار قريش وتباعهم يوم أحد من ابتداء غضبهم الذي غضبوه لقتلاهم الذين قتلوا يوم بدر بها ، يمددكم ربكم بخمسة آلاف .

ولذلك من اختلاف تأويلهم في معنى قوله : "ويأتوكم من فورهم هذا " ، اختلف أهل التأويل في إمداد الله المؤمنين بأحد بملائكته .

فقال بعضهم : لم يمدوا بهم ، لأن المؤمنين لم يصبروا لأعدائهم ولم يتقوا الله عز وجل ، بترك من ترك من الرماة طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوته في الموضع الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبوت فيه ، ولكنهم أخلوا به [ ص: 184 ] طلب الغنائم ، فقتل من قتل من المسلمين ونال المشركون منهم ما نالوا ، وإنما كان الله عز وجل وعد نبيه صلى الله عليه وسلم إمدادهم بهم إن صبروا واتقوا الله .

وأما الذين قالوا : كان ذلك يوم بدر بسبب كرز بن جابر ، فإن بعضهم قالوا : لم يأت كرز وأصحابه إخوانهم من المشركين مددا لهم ببدر ، ولم يمد الله المؤمنين بملائكته ، لأن الله عز وجل إنما وعدهم أن يمدهم بملائكته إن أتاهم كرز ومدد المشركين من فورهم ، ولم يأتهم المدد .

وأما الذين قالوا : إن الله تعالى ذكره أمد المسلمين بالملائكة يوم بدر ، فإنهم اعتلوا بقول الله عز وجل : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) [ سورة الأنفال : 9 ] ، قال : فالألف منهم قد أتاهم مددا . وإنما الوعد الذي كانت فيه الشروط ، فما زاد على الألف ، فأما الألف فقد كانوا أمدوا به ، لأن الله عز وجل كان قد وعدهم ذلك ، ولن يخلف الله وعده .

قال أبو جعفر : واختلف القرأة في قراءة قوله : "مسومين " .

فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة : ( مسومين ) بفتح "الواو " ، بمعنى أن الله سومها .

وقرأ ذلك بعض قرأة أهل الكوفة والبصرة : ( مسومين ) بكسر "الواو " ، بمعنى أن الملائكة سومت لنفسها . [ ص: 185 ]

قال أبو جعفر : وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بكسر "الواو " ، لتظاهر الأخبار عن [ أصحاب ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل التأويل منهم ومن التابعين بعدهم بأن الملائكة هي التي سومت أنفسها ، من غير إضافة تسويمها إلى الله عز وجل ، أو إلى غيره من خلقه .

ولا معنى لقول من قال : إنما كان يختار الكسر في قوله : "مسومين " ، لو كان في البشر ، فأما الملائكة فوصفهم غير ذلك ظنا منه بأن الملائكة غير ممكن فيها تسويم أنفسها إمكان ذلك في البشر . وذلك أنه غير مستحيل أن يكون الله عز وجل مكنها من تسويم أنفسها نحو تمكينه البشر من تسويم أنفسهم ، فسوموا أنفسهم نحو الذي سوم البشر ، طلبا منها بذلك طاعة ربها ، فأضيف تسويمها أنفسها إليها . وإن كان ذلك عن تسبيب الله لهم أسبابه . وهي إذا كانت موصوفة بتسويمها أنفسها تقربا منها إلى ربها ، كان أبلغ في مدحها لاختيارها طاعة الله من أن تكون موصوفة بأن ذلك مفعول بها .

ذكر الأخبار بما ذكرنا : من إضافة من أضاف التسويم إلى الملائكة ، دون إضافة ذلك إلى غيرهم ، على نحو ما قلنا فيه : [ ص: 186 ]

7776 - حدثني يعقوب قال : أخبرنا ابن علية قال : أخبرنا ابن عون ، عن عمير بن إسحاق قال : إن أول ما كان الصوف ليومئذ يعني يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تسوموا ، فإن الملائكة قد تسومت .

7777 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا مختار بن غسان قال : حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل ، عن الزبير بن المنذر ، عن جده أبي أسيد - وكان بدريا - فكان يقول : لو أن بصري فرج منه ، ثم ذهبتم معي إلى أحد ، لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة في عمائم صفر قد طرحوها بين أكتافهم . [ ص: 187 ]

7778 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " ، يقول : معلمين ، مجزوزة أذناب خيلهم ، ونواصيها - فيها الصوف أو العهن ، وذلك التسويم .

7779 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله : بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " ، قال : مجزوزة أذنابها ، وأعرافها فيها الصوف أو العهن ، فذلك التسويم .

7780 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : " مسومين " ، ذكر لنا أن سيماهم يومئذ ، الصوف بنواصي خيلهم وأذنابها ، وأنهم على خيل بلق .

7781 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " مسومين " ، قال : كان سيماها صوفا في نواصيها .

7782 - حدثت عن عمار ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن ليث ، عن مجاهد ، أنه كان يقول : " مسومين " ، قال : كانت خيولهم مجزوزة الأعراف ، معلمة نواصيها وأذنابها بالصوف والعهن .

7783 - حدثت عن عمار ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : كانوا يومئذ على خيل بلق .

7784 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا [ ص: 188 ] جويبر ، عن الضحاك وبعض أشياخنا ، عن الحسن ، نحو حديث معمر ، عن قتادة .

7785 - حدثنا محمد قال : حدثنا أحمد قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : "مسومين " ، معلمين .

7786 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : "بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " ، فإنهم أتوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، مسومين بالصوف ، فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف .

7787 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن يمان قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن عباد بن حمزة قال : نزلت الملائكة في سيما الزبير ، عليهم عمائم صفر . وكانت عمامة الزبير صفراء .

7788 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : " مسومين " ، قال : بالصوف في نواصيها وأذنابها .

7789 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن هشام بن عروة قال : نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق ، عليهم عمائم صفر . وكان على الزبير يومئذ عمامة صفراء .

7790 - حدثني أحمد بن يحيى الصوفي قال : حدثنا عبد الرحمن بن شريك قال : حدثنا أبي قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن عروة ، عن عبد الله بن الزبير : أن الزبير كانت عليه ملاءة صفراء يوم بدر ، فاعتم بها ، فنزلت الملائكة يوم بدر على نبي الله صلى الله عليه وسلم معممين بعمائم صفر . [ ص: 189 ]

قال أبو جعفر : فهذه الأخبار التي ذكرنا بعضها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه : " تسوموا فإن الملائكة قد تسومت " وقول أبي أسيد : " خرجت الملائكة في عمائم صفر قد طرحوها بين أكتافهم " ، وقول من قال منهم : " مسومين " معلمين ينبئ جميع ذلك عن صحة ما اخترنا من القراءة في ذلك ، وأن التسويم كان من الملائكة بأنفسها ، على نحو ما قلنا في ذلك فيما مضى .

وأما الذين قرأوا ذلك : "مسومين " ، بالفتح ، فإنهم أراهم تأولوا في ذلك ما :

7791 - حدثنا به حميد بن مسعدة قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن عثمان بن غياث ، عن عكرمة : ( بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) ، يقول : عليهم سيما القتال .

7792 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) ، يقول : عليهم سيما القتال ، وذلك يوم بدر ، أمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ، يقول : عليهم سيما القتال .

فقالوا : كان سيما القتال عليهم ، لا أنهم كانوا تسوموا بسيما فيضاف إليهم التسويم ، فمن أجل ذلك قرأوا : "مسومين " ، بمعنى أن الله تعالى أضاف التسويم إلى من سومهم تلك السيما .

و"السيما " العلامة يقال : "هي سيما حسنة ، وسيمياء حسنة " ، كما قال الشاعر :


غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيمياء لا تشق على البصر

[ ص: 190 ]

يعني بذلك : علامة من حسن ، فإذا أعلم الرجل بعلامة يعرف بها في حرب أو غيره قيل : "سوم نفسه فهو يسومها تسويما " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث