الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم "

القول في تأويل قوله ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ( 9 ) )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : " ويبطل الباطل " ، حين تستغيثون ربكم ف " إذ " من صلة " يبطل " . [ ص: 409 ]

ومعنى قوله : ( تستغيثون ربكم ) ، تستجيرون به من عدوكم ، وتدعونه للنصر عليهم " فاستجاب لكم " فأجاب دعاءكم ، بأني ممدكم بألف من الملائكة يردف بعضهم بعضا ، ويتلو بعضهم بعضا .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، وجاءت الرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر الأخبار بذلك :

15734 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن عكرمة بن عمار قال ، حدثني سماك الحنفي قال ، سمعت ابن عباس يقول : حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر ، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وعدتهم ، ونظر إلى أصحابه نيفا على ثلاثمائة ، فاستقبل القبلة ، فجعل يدعو يقول : " اللهم أنجز لي ما وعدتني ! اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ! " ، فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه ، وأخذه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فوضع رداءه عليه ، ثم التزمه من ورائه ، ثم قال : كفاك يا نبي الله ، بأبي وأمي ، مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ! فأنزل الله : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) . [ ص: 410 ]

15735 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قال : لما اصطف القوم ، قال أبو جهل : اللهم أولانا بالحق فانصره ! ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال : يا رب ، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا !

15736 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم ربنا أنزلت علي الكتاب ، وأمرتني بالقتال ، ووعدتني بالنصر ، ولا تخلف الميعاد ! فأتاه جبريل عليه السلام ، فأنزل الله : ( ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) ،

[ سورة آل عمران : 124 - 125 ] .

15737 - حدثني أبو السائب قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن يثيع قال : كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو يقول : اللهم انصر هذه العصابة ، فإنك إن لم تفعل لن تعبد في الأرض ! قال : فقال أبو بكر : بعض مناشدتك منجزك ما وعدك . [ ص: 411 ]

15738 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله ويستغيثه ويستنصره ، فأنزل الله عليه الملائكة .

15739 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : ( إذ تستغيثون ربكم ) ، قال : دعاء النبي صلى الله عليه وسلم .

15740 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : ( إذ تستغيثون ربكم ) ، أي : بدعائكم ، حين نظروا إلى كثرة عدوهم وقلة عددهم " فاستجاب لكم " ، بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائكم معه .

15741 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح قال : لما كان يوم بدر جعل النبي صلى الله عليه وسلم يناشد ربه أشد النشدة يدعو ، فأتاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ، بعض نشدتك ، فوالله ليفين الله لك بما وعدك !

وأما قوله : ( أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) ، فقد بينا معناه .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : [ ص: 412 ]

15742 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) ، يقول : المزيد ، كما تقول : " ائت الرجل فزده كذا وكذا " .

15743 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أحمد بن بشير ، عن هارون بن عنترة [ عن أبيه ] ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( مردفين ) ، قال : متتابعين .

15744 - . . . . قال ، حدثني أبي ، عن سفيان ، عن هارون بن عنترة ، [ عن أبيه ] ، عن ابن عباس ، مثله .

15745 - حدثني سليمان بن عبد الجبار قال ، حدثنا محمد بن الصلت قال ، حدثنا أبو كدينة ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) ، قال : وراء كل ملك ملك .

15746 - حدثني ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن أبي كدينة يحيى بن المهلب ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( مردفين ) ، قال : متتابعين .

15747 - . . . . قال ، حدثنا هانئ بن سعيد ، عن حجاج بن أرطأة ، [ ص: 413 ] عن قابوس قال : سمعت أبا ظبيان يقول : ( مردفين ) ، قال : الملائكة ، بعضهم على إثر بعض .

15748 - . . . . قال ، حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك قال : ( مردفين ) ، قال : بعضهم على إثر بعض .

15749 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .

15750 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : ( مردفين ) ، قال : ممدين قال ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير قال : ( مردفين ) ، " الإرداف " ، الإمداد بهم .

15751 - حدثني بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( بألف من الملائكة مردفين ) ، أي متتابعين .

15752 - حدثنا [ محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ] قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( بألف من الملائكة مردفين ) ، يتبع بعضهم بعضا . [ ص: 414 ]

15753 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( مردفين ) ، قال : " المردفين " ، بعضهم على إثر بعض ، يتبع بعضهم بعضا .

15754 - حدثت عن الحسين قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : ( بألف من الملائكة مردفين ) ، يقول : متتابعين ، يوم بدر .

واختلفت القرأة في قراءة ذلك .

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة : " مردفين " ، بنصب الدال .

وقرأه بعض المكيين وعامة قرأة الكوفيين والبصريين : ( مردفين ) .

وكان أبو عمرو يقرؤه كذلك ، ويقول فيما ذكر عنه : هو من " أردف بعضهم بعضا " .

وأنكر هذا القول من قول أبي عمرو بعض أهل العلم بكلام العرب وقال : إنما " الإرداف " ، أن يحمل الرجل صاحبه خلفه . قال : ولم يسمع هذا في نعت الملائكة يوم بدر .

واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى ذلك إذا قرئ بفتح الدال أو بكسرها .

فقال بعض البصريين والكوفيين : معنى ذلك إذا قرئ بالكسر : أن الملائكة جاءت يتبع بعضهم بعضا ، على لغة من قال : " أردفته " . وقالوا : العرب تقول : " أردفته " . و" ردفته " ، بمعنى " تبعته " و" أتبعته " ، واستشهد لصحة قولهم ذلك بما قال الشاعر :

[ ص: 415 ]

إذا الجوزاء أردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنونا

[ ص: 416 ]

قالوا : فقال الشاعر : " أردفت " ، وإنما أراد " ردفت " ، جاءت بعدها ، لأن الجوزاء تجئ بعد الثريا .

وقالوا معناه إذا قرئ ( مردفين ) ، أنه مفعول بهم ، كأن معناه : بألف من الملائكة يردف الله بعضهم بعضا .

وقال آخرون : معنى ذلك ، إذا كسرت الدال : أردفت الملائكة بعضها بعضا وإذا قرئ بفتحها : أردف الله المسلمين بهم .

قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندي ، قراءة من قرأ : ( بألف من الملائكة مردفين ) ، بكسر الدال ، لإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من تأويلهم ، أن معناه : يتبع بعضهم بعضا ، ومتتابعين ففي إجماعهم على ذلك من التأويل ، الدليل الواضح على أن الصحيح من القراءة ما اخترنا في ذلك من كسر الدال ، بمعنى : أردف بعض الملائكة بعضا ، ومسموع من العرب : " جئت مردفا لفلان " ، أي : جئت بعده .

وأما قول من قال : معنى ذلك إذا قرئ " مردفين " بفتح الدال : أن الله أردف المسلمين بهم فقول لا معنى له ، إذ الذكر الذي في " مردفين " من الملائكة دون المؤمنين . وإنما معنى الكلام : أن يمدكم بألف من الملائكة يردف بعضهم ببعض . ثم حذف ذكر الفاعل ، وأخرج الخبر غير مسمى فاعله ، فقيل : ( مردفين ) ، بمعنى : مردف بعض الملائكة ببعض .

ولو كان الأمر على ما قاله من ذكرنا قوله ، وجب أن يكون في " المردفين " ذكر المسلمين ، لا ذكر الملائكة . وذلك خلاف ما دل عليه ظاهر القرآن . [ ص: 417 ]

وقد ذكر في ذلك قراءة أخرى ، وهي ما : -

15755 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، قال عبد الله بن يزيد : " مردفين " و" مردفين " و" مردفين " ، مثقل على معنى : " مرتدفين " .

15756 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال ، حدثني عبد العزيز بن عمران عن الزمعي ، عن أبي الحويرث ، عن محمد بن جبير ، عن علي رضي الله عنه قال : نزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر رضي الله عنه ، ونزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنا فيها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث