الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب "

القول في تأويل قوله ( سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ( 12 ) )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : سأرعب قلوب الذين كفروا بي ، أيها المؤمنون ، منكم ، وأملأها فرقا حتى ينهزموا عنكم " فاضربوا فوق الأعناق " .

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ( فوق الأعناق ) .

فقال بعضهم : معناه : فاضربوا الأعناق .

ذكر من قال ذلك :

15784 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن عطية : ( فاضربوا فوق الأعناق ) ، قال : اضربوا الأعناق .

15785 - . . . . قال ، حدثنا أبي ، عن المسعودي ، عن القاسم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله ، إنما بعثت لضرب الأعناق وشد الوثاق .

15786 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : ( فاضربوا فوق الأعناق ) ، يقول : اضربوا الرقاب .

واحتج قائلو هذه المقالة بأن العرب تقول : " رأيت نفس فلان " ، بمعنى : رأيته . قالوا : فكذلك قوله : ( فاضربوا فوق الأعناق ) ، إنما معناه : فاضربوا الأعناق .

وقال آخرون : بل معنى ذلك ، فاضربوا الرؤوس . [ ص: 430 ]

ذكر من قال ذلك :

15787 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة : ( فاضربوا فوق الأعناق ) ، قال : الرؤوس .

واعتل قائلو هذه المقالة بأن الذي " فوق الأعناق " ، الرؤوس . قالوا : وغير جائز أن تقول : " فوق الأعناق " ، فيكون معناه : " الأعناق " . قالوا : ولو جاز ذلك ، جاز أن يقال " تحت الأعناق " ، فيكون معناه : " الأعناق " . قالوا : وذلك خلاف المعقول من الخطاب ، وقلب لمعاني الكلام .

وقال آخرون : معنى ذلك : فاضربوا على الأعناق ، وقالوا : " على " و" فوق " معناهما متقاربان ، فجاز أن يوضع أحدهما مكان الآخر .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : أن الله أمر المؤمنين ، معلمهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف : أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل . وقوله : ( فوق الأعناق ) ، محتمل أن يكون مرادا به الرؤوس ، ومحتمل أن يكون مرادا له : من فوق جلدة الأعناق ، فيكون معناه : على الأعناق . وإذا احتمل ذلك ، صح قول من قال ، معناه : الأعناق . وإذا كان الأمر محتملا ما ذكرنا من التأويل ، لم يكن لنا أن نوجهه إلى بعض معانيه دون بعض ، إلا بحجة يجب التسليم لها ، ولا حجة تدل على خصوصه ، فالواجب أن يقال : إن الله أمر بضرب رؤوس المشركين وأعناقهم وأيديهم وأرجلهم ، أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم الذين شهدوا معه بدرا . [ ص: 431 ]

وأما قوله : ( واضربوا منهم كل بنان ) ، فإن معناه : واضربوا ، أيها المؤمنون ، من عدوكم كل طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم .

و" البنان " : جمع " بنانة " ، وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين ، ومن ذلك قول الشاعر :


ألا ليتني قطعت مني بنانة ولاقيته في البيت يقظان حاذرا

[ ص: 432 ]

يعني ب " البنانة " واحدة " البنان " .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

15788 - حدثنا أبو السائب قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن عطية : ( واضربوا منهم كل بنان ) ، قال : كل مفصل .

15789 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن عطية : ( واضربوا منهم كل بنان ) ، قال : المفاصل .

15790 - . . . . قال : حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك : ( واضربوا منهم كل بنان ) ، قال : كل مفصل .

15791 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة : ( واضربوا منهم كل بنان ) ، قال : الأطراف . ويقال : كل مفصل .

15792 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : ( واضربوا منهم كل بنان ) ، يعني : بالبنان ، الأطراف .

15793 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : ( واضربوا منهم كل بنان ) ، قال : الأطراف .

15794 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : ( واضربوا منهم كل بنان ) ، يعني : الأطراف . [ ص: 433 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث