الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح "

القول في تأويل قوله ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ( 19 ) )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمشركين الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، يعني : إن تستحكموا الله على أقطع الحزبين للرحم ، وأظلم الفئتين ، وتستنصروه عليه ، فقد جاءكم حكم الله ، ونصره المظلوم على الظالم ، والمحق على المبطل .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

15831 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، قال : إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء . [ ص: 451 ]

15832 - . . . . قال : حدثنا سويد بن عمرو الكلبي ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن عكرمة : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، قال : إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء .

15833 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، يعني بذلك المشركين : إن تستنصروا فقد جاءكم المدد .

15834 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرني عبد الله بن كثير ، عن ابن عباس قوله : ( إن تستفتحوا ) ، قال : إن تستقضوا القضاء وإنه كان يقول : ( وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ) ، قلت : للمشركين ؟ قال : لا نعلمه إلا ذلك

15835 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، قال : كفار قريش في قولهم : " ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه " ! ففتح بينهم يوم بدر .

15836 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه .

15837 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزهري : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، قال : استفتح أبو جهل فقال : اللهم _ يعني محمدا ونفسه _ " أينا كان أفجر لك ، اللهم وأقطع للرحم ، فأحنه اليوم " ! قال الله : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) .

15838 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الزهري في قوله : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، قال : استفتح [ ص: 452 ] أبو جهل بن هشام فقال : " اللهم أينا كان أفجر لك وأقطع للرحم ، فأحنه اليوم ! " يعني محمدا عليه الصلاة والسلام ونفسه . قال الله عز وجل : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، فضربه ابنا عفراء : عوف ومعوذ ، وأجهز عليه ابن مسعود .

15839 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني الليث قال ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب قال ، أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صعير العدوي ، حليف بني زهرة ، أن المستفتح يومئذ أبو جهل ، وأنه قال حين التقى القوم : " أينا أقطع للرحم ، وآتانا بما لا يعرف ، فأحنه الغداة " ! فكان ذلك استفتاحه ، فأنزل الله في ذلك : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، الآية .

15840 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، الآية ، يقول : قد كانت بدر قضاء وعبرة لمن اعتبر . [ ص: 453 ]

15841 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : كان المشركون حين خرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ، أخذوا بأستار الكعبة واستنصروا الله وقالوا : " اللهم انصر أعز الجندين ، وأكرم الفئتين ، وخير القبيلتين " ! فقال الله : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، يقول : نصرت ما قلتم ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم .

15842 - حدثنا عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) إلى قوله : ( وأن الله مع المؤمنين ) ، وذلك حين خرج المشركون ينظرون عيرهم ، وإن أهل العير ، أبا سفيان وأصحابه ، أرسلوا إلى المشركين بمكة يستنصرونهم ، فقال أبو جهل : " أينا كان خيرا عندك فانصره " ! وهو قوله : ( إن تستفتحوا ) ، يقول : تستنصروا .

15843 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، قال : إن تستفتحوا العذاب ، فعذبوا يوم بدر . قال : وكان استفتاحهم بمكة ، قالوا : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) ، [ سورة الأنفال : 32 ] . قال : فجاءهم العذاب يوم بدر . وأخبر عن يوم أحد : ( وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ) .

15844 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن فضيل ، عن مطرف ، عن عطية قال : قال أبو جهل يوم بدر : " اللهم انصر أهدى الفئتين ، وخير الفئتين وأفضل " فنزلت : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) .

15845 - . . . . قال ، حدثنا عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري : أن أبا جهل هو الذي استفتح يوم بدر وقال : " اللهم أينا كان أفجر وأقطع لرحمه ، فأحنه اليوم " ! فأنزل الله : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) .

15846 - . . . . قال ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن ابن إسحاق ، [ ص: 454 ] عن الزهري ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير : أن أبا جهل ، قال يوم بدر : اللهم أقطعنا لرحمه ، وآتانا بما لا نعرف ، فأحنه الغداة ! " . وكان ذلك استفتاحا منه ، فنزلت : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، الآية .

15847 - . . . . قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال : كان المستفتح يوم بدر أبا جهل ، قال : " اللهم أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا نعرف ، فأحنه الغداة ! " ، فأنزل الله : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) .

15848 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن مسلم الزهري ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير ، حليف بني زهرة قال : لما التقى الناس ، ودنا بعضهم من بعض ، قال أبو جهل : " اللهم أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا نعرف ، فأحنه الغداة ! " ، فكان هو المستفتح على نفسه قال ابن إسحاق : فقال الله : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، لقول أبي جهل : " اللهم أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا نعرف ، فأحنه الغداة ! " قال : " الاستفتاح " ، الإنصاف في الدعاء .

15849 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو معشر ، عن يزيد بن رومان وغيره : قال أبو جهل يوم بدر : " اللهم انصر أحب الدينين إليك ، ديننا العتيق ، أم دينهم الحديث " ! فأنزل الله : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، إلى قوله : ( وأن الله مع المؤمنين ) . [ ص: 455 ]

وأما قوله : ( وإن تنتهوا فهو خير لكم ) ، فإنه يقول : " وإن تنتهوا " ، يا معشر قريش ، وجماعة الكفار ، عن الكفر بالله ورسوله ، وقتال نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به " فهو خير لكم " ، في دنياكم وآخرتكم ( وإن تعودوا نعد ) ، يقول : وإن تعودوا لحربه وقتاله وقتال اتباعه المؤمنين " نعد " ، أي : بمثل الواقعة التي أوقعت بكم يومبدر .

وقوله : ( ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت ) ، يقول : وإن تعودوا نعد لهلاككم بأيدي أوليائي وهزيمتكم ، ولن تغني عنكم عند عودي لقتلكم بأيديهم وسبيكم وهزمكم " فئتكم شيئا ولو كثرت " ، يعني : جندهم وجماعتهم من المشركين ، كما لم يغنوا عنهم يوم بدر مع كثرة عددهم وقلة عدد المؤمنين شيئا ( وأن الله مع المؤمنين ) ، يقول جل ذكره : وأن الله مع من آمن به من عباده على من كفر به منهم ، ينصرهم عليهم ، أو يظهرهم كما أظهرهم يوم بدر على المشركين .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

15850 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق في قوله : ( وإن تنتهوا فهو خير لكم ) ، قال : يقول لقريش " وإن تعودوا نعد " ، لمثل الواقعة التي أصابتكم يوم بدر ( ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ) ، أي : وإن كثر عددكم في أنفسكم لن يغني عنكم شيئا . وإني مع المؤمنين ، أنصرهم على من خالفهم . [ ص: 456 ]

وقد قيل : إن معنى قوله : ( وإن تعودوا نعد ) ، وإن تعودوا للاستفتاح ، نعد لفتح محمد صلى الله عليه وسلم .

وهذا القول لا معنى له ، لأن الله تعالى قد كان ضمن لنبيه عليه السلام حين أذن له في حرب أعدائه إظهار دينه وإعلاء كلمته ، من قبل أن يستفتح أبو جهل وحزبه ، فلا وجه لأن يقال والأمر كذلك : " إن تنتهوا عن الاستفتاح فهو خير لكم ، وإن تعودوا نعد " ، لأن الله قد كان وعد نبيه صلى الله عليه وسلم الفتح بقوله : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) ، [ سورة الحج : 39 ] ، استفتح المشركون أو لم يستفتحوا .

ذكر من قال ذلك :

15851 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( وإن تعودوا نعد ) ، إن تستفتحوا الثانية نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم ( ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ) ، محمد وأصحابه .

واختلفت القرأة في قراءة قوله : ( وأن الله مع المؤمنين ) .

ففتحها عامة قرأة أهل المدينة بمعنى : ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله لمع المؤمنين فعطف ب " أن " على موضع " ولو كثرت " ، كأنه قال : لكثرتها ، ولأن الله مع المؤمنين . ويكون موضع " أن " حينئذ نصبا على هذا القول .

وكان بعض أهل العربية يزعم أن فتحها إذا فتحت ، على : ( وأن الله موهن كيد الكافرين ) ، ( وأن الله مع المؤمنين ) ، عطفا بالأخرى على الأولى . [ ص: 457 ]

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين والبصريين : " وإن الله " ، بكسر الألف على الابتداء ، واعتلوا بأنها في قراءة عبد الله : " وإن الله لمع المؤمنين " .

قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب ، قراءة من كسر " إن " للابتداء ، لتقضي الخبر قبل ذلك عما يقتضي قوله : ( وأن الله مع المؤمنين ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث