الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه "

القول في تأويل قوله ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ( 24 ) )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك .

فقال بعضهم : معناه : يحول بين الكافر والإيمان ، وبين المؤمن والكفر .

* ذكر من قال ذلك : [ ص: 468 ]

15876 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي ، عن سعيد بن جبير : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال : بين الكافر أن يؤمن ، وبين المؤمن أن يكفر .

15877 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أحمد قالا حدثنا سفيان وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، حدثنا الثوري ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن عبد الله الرازي ، عن سعيد بن جبير ، بنحوه .

15878 - حدثني أبو زائدة زكريا بن أبي زائدة قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن سعيد بن جبير ، مثله .

15879 - حدثني أبو السائب وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال : يحول بين المؤمن وبين الكفر ، وبين الكافر وبين الإيمان .

15880 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن عبد الله الرازي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله .

15881 - . . . . قال ، حدثنا حفص ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال : يحول بين المؤمن والكفر ، وبين الكافر والإيمان .

15882 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا عبيد بن سليمان ، وعبد العزيز بن أبي رواد ، عن الضحاك في قوله : ( يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه ) ، قال : يحول بين الكافر وطاعته ، وبين المؤمن ومعصيته .

15883 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن أبى روق ، عن الضحاك بن مزاحم ، بنحوه .

15884 - . . . . قال ، حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك قال : يحول بين المرء وبين أن يكفر ، وبين الكافر وبين أن يؤمن .

15885 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد ، عن الضحاك بن مزاحم : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال : يحول بين الكافر وبين طاعة الله ، وبين المؤمن ومعصية الله .

15886 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا ابن أبي رواد ، عن الضحاك ، نحوه .

15887 - وحدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول ، فذكر نحوه .

15888 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن منهال قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ، سمعت عبد العزيز بن أبي رواد يحدث ، عن الضحاك بن مزاحم في قوله : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال : يحول بين المؤمن ومعصيته .

15889 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) ، يقول : يحول بين المؤمن وبين الكفر ، ويحول بين الكافر وبين الإيمان .

15890 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) ، يقول : يحول بين الكافر وبين طاعته ، ويحول بين المؤمن وبين معصيته . [ ص: 470 ]

15891 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي ، عن ليث ، عن مجاهد : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال : يحول بين المؤمن وبين الكفر ، وبين الكافر وبين الإيمان .

15892 - . . . . قال ، حدثنا أبي ، عن ابن أبي رواد ، عن الضحاك : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، يقول : يحول بين الكافر وبين طاعته ، وبين المؤمن وبين معصيته .

15893 - . . . . قال ، حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، عن يعقوب القمي ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، يحول بين المؤمن والمعاصي ، وبين الكافر والإيمان .

15894 - . . . . قال ، حدثنا عبيدة ، عن إسماعيل ، عن أبي صالح : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال : يحول بينه وبين المعاصي . * * *

وقال آخرون : بل معنى ذلك : يحول بين المرء وعقله ، فلا يدري ما يعمل .

* ذكر من قال ذلك :

15895 - حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال ، حدثنا عبد المجيد ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال : يحول بين المرء وعقله .

15896 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، حتى تركه لا يعقل .

15897 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

15898 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال : [ ص: 471 ] هو كقوله " حال " ، حتى تركه لا يعقل .

15899 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا معقل بن عبيد الله ، عن حميد ، عن مجاهد : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال : إذا حال بينك وبين قلبك ، كيف تعمل .

15900 - قال : حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا شريك ، عن خصيف ، عن مجاهد : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال : يحول بين قلب الكافر ، وأن يعمل خيرا . * * *

وقال آخرون : معناه : يحول بين المرء وقلبه ، أن يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه .

* ذكر من قال ذلك :

15901 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) ، قال : يحول بين الإنسان وقلبه ، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه . * * *

وقال آخرون : معنى ذلك : أنه قريب من قلبه ، لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره .

* ذكر من قال ذلك :

15902 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر ، عن قتادة في قوله : ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال : هي كقوله : ( أقرب إليه من حبل الوريد ) ، [ سورة ق : 16 ] . * * *

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب عندي في ذلك أن يقال : إن ذلك [ ص: 472 ] خبر من الله عز وجل أنه أملك لقلوب عباده منهم ، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء ، حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئا من إيمان أو كفر ، أو أن يعي به شيئا ، أو أن يفهم ، إلا بإذنه ومشيئته . وذلك أن " الحول بين الشيء والشيء " ، إنما هو الحجز بينهما ، وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه ، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكه سبيل .

وإذا كان ذلك معناه ، دخل في ذلك قول من قال : " يحول بين المؤمن والكفر ، وبين الكافر والإيمان " ، وقول من قال : " يحول بينه وبين عقله " ، وقول من قال : " يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه " ، لأن الله عز وجل إذا حال بين عبد وقلبه ، لم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيل بينه وبينه ما منع إدراكه به على ما بينت .

غير أنه ينبغي أن يقال : إن الله عم بقوله : ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) ، الخبر عن أنه يحول بين العبد وقلبه ، ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئا دون شيء ، والكلام محتمل كل هذه المعاني ، فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب التسليم له . * * *

وأما قوله : ( وأنه إليه تحشرون ) ، فإن معناه : واعلموا ، أيها المؤمنون ، أيضا ، مع العلم بأن الله يحول بين المرء وقلبه : أن الله الذي يقدر على قلوبكم ، وهو أملك بها منكم ، إليه مصيركم ومرجعكم في القيامة ، فيوفيكم جزاء أعمالكم ، المحسن منكم بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، فاتقوه وراقبوه فيما أمركم ونهاكم هو ورسوله أن تضيعوه ، وأن لا تستجيبوا لرسوله إذا دعاكم لما يحييكم ، فيوجب ذلك سخطه ، وتستحقوا به أليم عذابه حين تحشرون إليه . * * * [ ص: 473 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث