الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض "

القول في تأويل قوله ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ( 26 ) )

قال أبو جعفر : وهذا تذكير من الله عز وجل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومناصحة . يقول : أطيعوا الله ورسوله ، أيها المؤمنون ، واستجيبوا له إذا دعاكم لما يحييكم ، ولا تخالفوا أمره وإن أمركم بما فيه عليكم المشقة والشدة ، فإن الله يهونه عليكم بطاعتكم إياه ، ويعجل لكم منه ما تحبون ، كما فعل بكم إذ آمنتم به واتبعتموه وأنتم قليل يستضعفكم الكفار فيفتنونكم عن دينكم ، وينالونكم بالمكروه في أنفسكم وأعراضكم ، تخافون منهم أن يتخطفوكم فيقتلوكم ويصطلموا [ ص: 477 ] جميعكم ( فآواكم ) ، يقول : فجعل لكم مأوى تأوون إليه منهم ( وأيدكم بنصره ) ، يقول : وقواكم بنصره عليهم حتى قتلتم منهم من قتلتم ببدر ( ورزقكم من الطيبات ) ، يقول : وأطعمكم غنيمتهم حلالا طيبا ( لعلكم تشكرون ) ، يقول : لكي تشكروه على ما رزقكم وأنعم به عليكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم . * * *

واختلف أهل التأويل في " الناس " الذين عنوا بقوله : ( أن يتخطفكم الناس ) .

فقال بعضهم : كفار قريش .

* ذكر من قال ذلك .

15914 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة قوله : ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس ) ، قال : يعني بمكة ، مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة .

15915 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الكلبي أو قتادة أو كلاهما ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون ) أنها نزلت في يوم بدر ، كانوا يومئذ يخافون أن يتخطفهم الناس ، فآواهم الله وأيدهم بنصره . [ ص: 478 ]

15916 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، بنحوه . * * *

وقال آخرون : بل عني به غير قريش .

* ذكر من قال ذلك .

15917 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرني أبي قال ، سمعت وهب بن منبه يقول في قوله عز وجل : ( تخافون أن يتخطفكم الناس ) ، قال : فارس .

15918 - . . . . قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال ، حدثني عبد الصمد : أنه سمع وهب بن منبه يقول ، وقرأ : ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس ) ، و" الناس " إذ ذاك ، فارس والروم .

15919 - . . . . قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ) ، قال : كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا وأشقاه عيشا ، وأجوعه بطونا ، وأعراه جلودا ، وأبينه ضلالا [ مكعومين ، على رأس حجر ، بين الأسدين فارس والروم ، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه ] . من عاش منهم عاش شقيا ، ومن مات منهم ردي في النار ، يؤكلون ولا يأكلون ، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منهم منزلا حتى جاء الله بالإسلام ، [ ص: 479 ] فمكن به في البلاد ، ووسع به في الرزق ، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس . فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم ، فاشكروا الله على نعمه ، فإن ربكم منعم يحب الشكر ، وأهل الشكر في مزيد من الله تبارك وتعالى . * * *

قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب ، قول من قال : " عني بذلك مشركو قريش " ، لأن المسلمين لم يكونوا يخافون على أنفسهم قبل الهجرة من غيرهم ، لأنهم كانوا أدنى الكفار منهم إليهم ، وأشدهم عليهم يومئذ ، مع كثرة عددهم ، وقلة عدد المسلمين . * * *

وأما قوله : ( فآواكم ) ، فإنه يعني : آواكم المدينة ،

وكذلك قوله : ( وأيدكم بنصره ) ، بالأنصار . * * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك :

15920 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( فآواكم ) ، قال : إلى الأنصار بالمدينة ( وأيدكم بنصره ) ، وهؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، أيدهم بنصره يوم بدر .

15921 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : ( فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات ) ، يعني بالمدينة . [ ص: 480 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث