الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك "

القول في تأويل قوله تعالى : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ( 94 ) )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ، صلى الله عليه وسلم : فإن كنت يا محمد في شك من حقيقة ما اخترناك فأنزلنا إليك ، من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوتك قبل أن تبعث رسولا إلى خلقه ، لأنهم يجدونك عندهم مكتوبا ، ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف في كتابهم في التوراة والإنجيل [ ص: 201 ] ( فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) ، من أهل التوراة والإنجيل كعبد الله بن سلام ونحوه ، من أهل الصدق والإيمان بك منهم ، دون أهل الكذب والكفر بك منهم .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

17886 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج عن ابن جريج قال : قال ابن عباس في قوله : ( فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) ، قال : التوراة والإنجيل ، الذين أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فآمنوا به ، يقول : فاسألهم إن كنت في شك بأنك مكتوب عندهم .

17887 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) ، قال : هو عبد الله بن سلام كان من أهل الكتاب ، فآمن برسول الله ، صلى الله عليه وسلم .

17888 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قوله : ( فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) قال : هم أهل الكتاب .

17889 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول : ( فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) ، يعني أهل التقوى وأهل الإيمان من أهل الكتاب ، ممن أدرك نبي الله ، صلى الله عليه وسلم .

فإن قال قائل : أو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في شك من خبر الله [ ص: 202 ] أنه حق يقين ، حتى قيل له : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) ؟

قيل : لا وكذلك قال جماعة من أهل العلم .

17890 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في قوله : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ) ، فقال : لم يشك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسأل .

17891 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا سويد بن عمرو عن أبي عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في قوله : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) ، قال : ما شك وما سأل .

17892 - حدثني الحارث قال : حدثنا القاسم بن سلام قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير ومنصور عن الحسن في هذه الآية ، قال : لم يشك - صلى الله عليه وسلم - ولم يسأل .

17893 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد عن قتادة قوله : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) ، ذكر لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا أشك ولا أسأل .

17894 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) ، قال : بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا أشك ولا أسأل .

فإن قال : فما وجه مخرج هذا الكلام ، إذن ، إن كان الأمر على ما وصفت ؟ قيل : قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا ، استجازة العرب قول القائل منهم لمملوكه : " إن كنت مملوكي فانته إلى أمري " والعبد المأمور بذلك لا يشك سيده القائل له ذلك أنه عبده . كذلك قول الرجل منهم لابنه : " إن كنت [ ص: 203 ] ابني فبرني " ، وهو لا يشك في ابنه أنه ابنه ، وأن ذلك من كلامهم صحيح مستفيض فيهم ، وذكرنا ذلك بشواهده ، وأن منه قول الله : ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) ، [ سورة المائدة : 116 ] ، وقد علم جل ثناؤه أن عيسى لم يقل ذلك . وهذا من ذلك ، لم يكن صلى الله عليه وسلم شاكا في حقيقة خبر الله وصحته ، والله تعالى ذكره بذلك من أمره كان عالما ، ولكنه جل ثناؤه خاطبه خطاب قومه بعضهم بعضا ، إذ كان القرآن بلسانهم نزل .

وأما قوله : ( لقد جاءك الحق من ربك ) الآية ، فهو خبر من الله مبتدأ .

يقول ، تعالى ذكره : أقسم لقد جاءك الحق اليقين من الخبر بأنك لله رسول ، وأن هؤلاء اليهود والنصارى يعلمون صحة ذلك ، ويجدون نعتك عندهم في كتبهم ( فلا تكونن من الممترين ) ، يقول : فلا تكونن من الشاكين في صحة ذلك وحقيقته .

ولو قال قائل : إن هذه الآية خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد بها بعض من لم يكن صحت ، بصيرته بنبوته - صلى الله عليه وسلم - ممن كان قد أظهر الإيمان بلسانه ، تنبيها له على موضع تعرف حقيقة أمره الذي يزيل اللبس عن قلبه ، كما قال جل ثناؤه : ( يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما ) [ سورة الأحزاب : 1 ] كان قولا غير مدفوعة صحته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث