الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا "

القول في تأويل قوله عز ذكره : ( وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ( 21 ) )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : ( وبرزوا لله جميعا ) ، وظهر هؤلاء الذين كفروا به يوم القيامة من قبورهم ، فصاروا بالبراز من الأرض ( جميعا ) ، يعني كلهم ( فقال الضعفاء للذين استكبروا ) ، يقول : فقال التباع منهم للمتبوعين ، وهم الذين كانوا يستكبرون في الدنيا عن إخلاص العبادة لله واتباع الرسل الذين أرسلوا إليهم ( إنا كنا لكم تبعا ) ، في الدنيا .

و "التبع" جمع "تابع" كما الغيب جمع "غائب" .

وإنما عنوا بقولهم : ( إنا كنا لكم تبعا ) ، أنهم كانوا أتباعهم في الدنيا يأتمرون [ ص: 558 ] لما يأمرونهم به من عبادة الأوثان والكفر بالله ، وينتهون عما نهوهم عنه من اتباع رسل الله ( فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ) ، يعنون : فهل أنتم دافعون عنا اليوم من عذاب الله من شيء .

وكان ابن جريج يقول نحو ذلك :

20638 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : ( وقال الضعفاء ) ، قال الأتباع ( للذين استكبروا ) ، قال : للقادة .

قوله : ( لو هدانا الله لهديناكم ) ، يقول عز ذكره : قالت القادة على الكفر بالله لتباعها : ( لو هدانا الله ) ، يعنون : لو بين الله لنا شيئا ندفع به عذابه عنا اليوم ( لهديناكم ) ، لبينا ذلك لكم حتى تدفعوا العذاب عن أنفسكم ، ولكنا قد جزعنا من العذاب ، فلم ينفعنا جزعنا منه وصبرنا عليه ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) ، يعنون : ما لهم من مراغ يروغون عنه .

يقال منه : "حاص عن كذا" إذا راغ عنه ، "يحيص حيصا ، وحيوصا وحيصانا .

20639 - وحدثني المثنى قال : حدثنا سويد بن نصر قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن [ ص: 559 ] الحكم ، عن عمر بن أبي ليلى ، أحد بني عامر ، قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : بلغني - أو : ذكر لي - أن أهل النار قال بعضهم لبعض : يا هؤلاء ، إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما قد ترون ، فهلم فلنصبر ، فلعل الصبر ينفعنا ، كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا . قال : فيجمعون رأيهم على الصبر . قال : فصبروا ، فطال صبرهم ، ثم جزعوا فنادوا : ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) ، أي من منجى .

20640 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) ، قال : إن أهل النار قال بعضهم لبعض : تعالوا ، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله ، فتعالوا نبكي ونتضرع إلى الله! قال : فبكوا ، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا : [ ص: 560 ] تعالوا ، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر ، تعالوا نصبر! فصبروا صبرا لم ير مثله ، فلم ينفعهم ذلك ، فعند ذلك قالوا : ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث