الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "وله ما في السماوات والأرض "

القول في تأويل قوله تعالى : ( وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون ( 52 ) )

[ ص: 221 ] يقول تعالى ذكره : ولله ملك ما في السماوات والأرض من شيء ، لا شريك له في شيء من ذلك ، هو الذي خلقهم ، وهو الذي يرزقهم ، وبيده حياتهم وموتهم . وقوله : ( وله الدين واصبا ) يقول جل ثناؤه : وله الطاعة والإخلاص دائما ثابتا واجبا ، يقال منه : وصب الدين يصب وصوبا ووصبا كما قال الديلي :


لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه يوما بذم الدهر أجمع واصبا

ومنه قول الله ( ولهم عذاب واصب ) ، وقول حسان :


غيرته الريح تسفي به     وهزيم رعده واصب

فأما من الألم ، فإنما يقال : وصب الرجل يوصب وصبا ، وذلك إذا أعيا ومل ، ومنه قول الشاعر :


لا يغمز الساق من أين ولا وصب     ولا يعض على شرسوفه الصفر

[ ص: 222 ] وقد اختلف أهل التأويل في تأويل الواصب ، فقال بعضهم : معناه ، ما قلنا .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن قيس عن الأغر بن الصباح ، عن خليفة بن حصين ، عن أبي نضرة ، عن ابن عباس ( وله الدين واصبا ) قال : دائما .

حدثني إسماعيل بن موسى ، قال : أخبرنا شريك ، عن أبي حصين ، عن عكرمة ، في قوله ( وله الدين واصبا ) قال : دائما .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن قيس ، عن يعلى بن النعمان ، عن عكرمة ، قال : دائما .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء وحدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء وحدثني المثنى ، قال : أخبرنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل جميعا ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ( وله الدين واصبا ) قال : دائما .

حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ( وله الدين واصبا ) قال : دائما .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبدة وأبو معاوية ، عن جويبر ، عن الضحاك ( وله الدين واصبا ) قال : دائما .

حدثني المثنى ، قال : أخبرنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، مثله .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وله الدين واصبا ) : أي دائما ، فإن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا من خلقه إلا عبده طائعا أو كارها .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( واصبا ) قال : دائما ، ألا ترى أنه يقول ( عذاب واصب ) أي دائم .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله [ ص: 223 ] ( وله الدين واصبا ) قال : دائما ، والواصب : الدائم .

وقال آخرون : الواصب في هذا الموضع : الواجب .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عطية ، عن قيس ، عن يعلى بن النعمان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله ( وله الدين واصبا ) قال : واجبا .

وكان مجاهد يقول : معنى الدين في هذا الموضع : الإخلاص . وقد ذكرنا معنى الدين في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء وحدثني المثنى قال : أخبرنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل وحدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( وله الدين واصبا ) قال : الإخلاص .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : الدين : الإخلاص .

وقوله : ( أفغير الله تتقون ) يقول تعالى ذكره : أفغير الله أيها الناس تتقون ، أي ترهبون وتحذرون أن يسلبكم نعمة الله عليكم بإخلاصكم العبادة لربكم ، وإفرادكم الطاعة له ، وما لكم نافع سواه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث