الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "وما بكم من نعمة فمن الله "

القول في تأويل قوله تعالى : ( وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ( 53 ) )

اختلف أهل العربية في وجه دخول الفاء في قوله ( فمن الله ) فقال بعض البصريين : دخلت الفاء ، لأن "ما" بمنزلة "من" فجعل الخبر بالفاء . وقال بعض الكوفيين : "ما" في معنى جزاء ، ولها فعل مضمر ، كأنك قلت : ما يكن بكم من نعمة فمن الله ، لأن الجزاء لا بد له من فعل مجزوم ، إن ظهر فهو جزم ، وإن لم يظهر فهو مضمر ، كما قال الشاعر :

[ ص: 224 ]

إن العقل في أموالنا لا نضق به ذراعا وإن صبرا فنعرف للصبر

وقال : أراد : إن يكن العقل فأضمره . قال : وإن جعلت "ما بكم" في معنى الذي جاز ، وجعلت صلته بكم و"ما" في موضع رفع بقوله ( فمن الله ) وأدخل الفاء ، كما قال ( إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ) وكل اسم وصل مثل من و ما والذي ، فقد يجوز دخول الفاء في خبره لأنه مضارع للجزاء والجزاء قد يجاب بالفاء ، ولا يجوز أخوك فهو قائم ، لأنه اسم غير موصول ، وكذلك تقول : مالك لي ، فإن قلت : مالك ، جاز أن تقول : مالك فهو لي ، وإن ألقيت الفاء فصواب .

وتأويل الكلام : ما يكن بكم في أبدانكم أيها الناس من عافية وصحة وسلامة ، وفي أموالكم من نماء ، فالله المنعم عليكم بذلك لا غيره ، لأن ذلك إليه وبيده ( ثم إذا مسكم الضر ) يقول : إذا أصابكم في أبدانكم سقم ومرض ، وعلة عارضة ، وشدة من عيش ( فإليه تجأرون ) يقول : فإلى الله تصرخون بالدعاء وتستغيثون به ، ليكشف ذلك عنكم ، وأصله : من جؤار الثور ، يقال منه : جأر الثور يجأر جؤارا ، وذلك إذا رفع صوتا شديدا من جوع أو غيره ، ومنه قول الأعشى :


وما أيبلي على هيكل     بناه وصلب فيه وصارا
يراوح من صلوات الملي     ك طورا سجودا وطورا جؤارا

[ ص: 225 ] يعني بالجؤار : الصياح ، إما بالدعاء ، وإما بالقراءة .

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء وحدثني المثنى ، قال : أخبرنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل وحدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله ( فإليه تجأرون ) قال : تضرعون دعاء .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .

حدثني المثنى ، قال : أخبرنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : الضر : السقم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث