الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

القول في تأويل قوله تعالى : ( قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ( 107 ) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ( 108 ) )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء القائلين لك ( لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) : آمنوا بهذا القرآن الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ، لم يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، أو لا تؤمنوا به ، فإن إيمانكم به لن يزيد في خزائن رحمة الله ولا ترككم الإيمان به ينقص ذلك ، وإن تكفروا به ، فإن الذين أوتوا العلم بالله وآياته من قبل نزوله من مؤمني أهل الكتابين ، إذا يتلى عليهم هذا القرآن يخرون تعظيما له وتكريما ، وعلما منهم بأنه من عند الله ، لأذقانهم سجدا بالأرض .

واختلف أهل التأويل في الذي عني بقوله ( يخرون للأذقان ) فقال بعضهم : عني به : الوجوه .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله ( يخرون للأذقان سجدا ) يقول : للوجوه .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( يخرون للأذقان سجدا ) قال للوجوه .

حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله .

وقال آخرون : بل عني بذلك اللحى . [ ص: 578 ]

ذكر من قال ذلك :

حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : قال الحسن في قوله ( يخرون للأذقان ) قال : اللحى .

وقوله ( سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) يقول جل ثناؤه : ويقول هؤلاء الذين أوتوا العلم من قبل نزول هذا القرآن ، إذ خروا للأذقان سجودا عند سماعهم القرآن يتلى عليهم ، تنزيها لربنا وتبرئة له مما يضيف إليه المشركون به ، ما كان وعد ربنا من ثواب وعقاب ، إلا مفعولا حقا يقينا ، إيمانا بالقرآن وتصديقا به ، والأذقان في كلام العرب : جمع ذقن وهو مجمع اللحيين ، وإذ كان ذلك كذلك ، فالذي قال الحسن في ذلك أشبه بظاهر التنزيل .

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في الذين عنوا بقوله ( أوتوا العلم ) وفي ( يتلى عليهم ) .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد ( الذين أوتوا العلم من قبله ) . . . . إلى قوله ( خشوعا ) قال : هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل الله على محمد قالوا ( سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله ) من قبل النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا يتلى عليهم ) ما أنزل إليهم من عند الله ( يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) .

وقال آخرون : عني بقوله ( الذين أوتوا العلم من قبله ) القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله ( إذا يتلى عليهم ) كتابهم .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( إذا يتلى عليهم ) ما أنزل الله إليهم من عند الله .

وإنما قلنا : عني بقوله ( إذا يتلى عليهم ) القرآن ، لأنه في سياق ذكر القرآن لم يجر لغيره من الكتب ذكر ، فيصرف الكلام إليه ، ولذلك جعلت الهاء [ ص: 579 ] التي في قوله ( من قبله ) من ذكر القرآن ، لأن الكلام بذكره جرى قبله ، وذلك قوله ( وقرآنا فرقناه ) وما بعده في سياق الخبر عنه ، فلذلك وجبت صحة ما قلنا إذا لم يأت بخلاف ما قلنا فيه حجة يجب التسليم لها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث