الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا "

القول في تأويل قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ( 16 ) فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ( 17 ) )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر يا محمد في كتاب الله الذي أنزله عليك بالحق مريم ابنة عمران ، حين اعتزلت من أهلها ، وانفردت عنهم ، وهو افتعل من النبذ ، والنبذ : الطرح ، وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله ( واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت ) أي انفردت من أهلها .

حدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : ثنا محمد بن الصلت ، قال : ثنا أبو كدينة ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) قال : خرجت مكانا شرقيا .

حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : [ ص: 162 ] خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها ، وهو قوله : فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا : في شرقي المحراب .

وقوله ( مكانا شرقيا ) يقول : فتنحت واعتزلت من أهلها في موضع قبل مشرق الشمس دون مغربها .

كما حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله ( مكانا شرقيا ) قال : من قبل المشرق .

حدثني إسحاق بن شاهين ، قال : ثنا خالد بن عبد الله ، عن داود ، عن عامر ، عن ابن عباس ، قال : إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقول الله : فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا ، فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة .

حدثنا ابن المثنى ، قال : ثني عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عامر ، عن ابن عباس ، مثله .

حدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : أخبرنا محمد بن الصلت ، قال : ثنا أبو كدينة ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت ، والحج لله ، وما صرفهم عنهما إلا تأويل ربك ( إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) فصلوا قبل مطلع الشمس .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) قال : شاسعا متنحيا .

وقيل : إنها إنما صارت بمكان يلي مشرق الشمس ، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيرا مما يلي المغرب ، وكذلك ذلك فيما ذكر عند العرب .

وقوله : ( فاتخذت من دونهم حجابا ) يقول : فاتخذت من دون أهلها سترا يسترها عنهم وعن الناس ، وذكر عن ابن عباس ، أنها صارت بمكان يلي المشرق ، لأن الله أظلها بالشمس ، وجعل لها منها حجابا .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) قال : مكانا [ ص: 163 ] أظلتها الشمس أن يراها أحد منهم .

وقال غيره في ذلك ما حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( فاتخذت من دونهم حجابا ) من الجدران .

وقوله ( فأرسلنا إليها روحنا ) يقول تعالى ذكره : فأرسلنا إليها حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ، واتخذت من دونهم حجابا : جبريل .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( فأرسلنا إليها روحنا ) قال : أرسل إليها فيما ذكر لنا جبريل .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه ، قال : وجدت عندها جبريل قد مثله الله بشرا سويا .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله ( فأرسلنا إليها روحنا ) قال : جبريل .

حدثني محمد بن سهل ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : ثني عبد الصمد بن معقل بن أخي وهب ، قال : سمعت وهب بن منبه ، قال : أرسل الله جبريل إلى مريم ، فمثل لها بشرا سويا .

حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : فلما طهرت ، يعني مريم من حيضها ، إذا هي برجل معها ، وهو قوله ( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ) يقول تعالى ذكره : فتشبه لها في صورة آدمي سوي الخلق منهم ، يعني في صورة رجل من بني آدم معتدل الخلق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث