الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس "

القول في تأويل قوله تعالى : ( قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ( 97 ) إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما ( 98 ) )

يقول تعالى ذكره : قال موسى للسامري : فاذهب فإن لك في أيام حياتك أن تقول : لا مساس : أي لا أمس ، ولا أمس . . وذكر أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يؤاكلوه ، ولا يخالطوه ، ولا يبايعوه ، فلذلك قال له : إن لك في الحياة أن تقول لا مساس ، فبقي ذلك فيما ذكر في قبيلته .

كما حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة قال : كان والله السامري عظيما من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ، ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع بني إسرائيل . قوله [ ص: 364 ] ( فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ) فبقاياهم اليوم يقولون لا مساس .

وقوله ( وإن لك موعدا لن تخلفه ) اختلفت القراء في قراءته ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والكوفة ( لن تخلفه ) بضم التاء وفتح اللام بمعنى : وإن لك موعدا لعذابك وعقوبتك على ما فعلت من إضلالك قومي حتى عبدوا العجل من دون الله ، لن يخلفكه الله ، ولكن يذيقكه ، وقرأ ذلك الحسن وقتادة وأبو نهيك ( وإن لك موعدا لن تخلفه ) بضم التاء وكسر اللام ، بمعنى : وإن لك موعدا لن تخلفه أنت يا سامري وتأولوه بمعنى : لن تغيب عنه .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى بن واضح قال : ثنا عبد المؤمن قال : سمعت أبا نهيك يقرأ ( لن تخلفه أنت ) يقول : لن تغيب عنه .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة ( وإن لك موعدا لن تخلفه ) يقول : لن تغيب عنه .

قال أبو جعفر : والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى ، لأنه لا شك أن الله موف وعده لخلقه بحشرهم لموقف الحساب ، وأن الخلق موافون ذلك اليوم ، فلا الله مخلفهم ذلك ، ولا هم مخلفوه بالتخلف عنه ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك .

وقوله ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ) يقول : وانظر إلى معبودك الذي ظلت عليه مقيما تعبده .

كما حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله : ( ظلت عليه عاكفا ) الذي أقمت عليه .

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : فقال له موسى ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ) يقول : الذي أقمت عليه . وللعرب في ظلت : لغتان : الفتح في الظاء ، وبها قرأ قراء الأمصار ، والكسر فيها ، وكأن الذين كسروا نقلوا حركة اللام التي هي عين الفعل من ظللت إليها ، ومن فتحها أقر حركتها التي كانت لها قبل أن يحذف منها شيء ، والعرب تفعل في الحروف التي فيها التضعيف ذاك ، [ ص: 365 ] فيقولون في مسست مست ومست وفي هممت بذلك : همت به ، وهل أحست فلانا وأحسسته ، كما قال الشاعر :


خلا أن العتاق من المطايا أحسن به فهن إليه شوس



وقوله ( لنحرقنه ) اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق ( لنحرقنه ) بضم النون وتشديد الراء ، بمعنى لنحرقنه بالنار قطعة قطعة ، وروي عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك ( لنحرقنه ) بضم النون ، وتخفيف الراء ، بمعنى : لنحرقنه بالنار إحراقة واحدة ، وقرأه أبو جعفر القارئ : ( لنحرقنه ) بفتح النون وضم الراء بمعنى : لنبردنه بالمبارد من حرقته أحرقه وأحرقه ، كما قال الشاعر :


بذي فرقين يوم بنو حبيب     نيوبهم علينا يحرقونا

[ ص: 366 ] والصواب في ذلك عندنا من القراءة ( لنحرقنه ) بضم النون وتشديد الراء ، من الإحراق بالنار .

كما حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله : ( لنحرقنه ) يقول : بالنار .

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( لنحرقنه ) فحرقه ثم ذراه في اليم ، وإنما اخترت هذه القراءة لإجماع الحجة من القراء عليها .

وأما أبو جعفر فإني أحسبه ذهب إلى ما حدثنا به موسى بن هارون قال : ثنا عمرو قال : ثنا أسباط عن السدي ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ) ثم أخذه فذبحه ، ثم حرقه بالمبرد ، ثم ذراه في اليم ، فلم يبق بحر يومئذ إلا وقع فيه شيء منه .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ) قال : وفي بعض القراءة لنذبحنه ثم لنحرقنه ، ثم لننسفنه في اليم نسفا .

حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في حرف ابن مسعود ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا إنما إلهكم ) .

وقوله ( ثم لننسفنه في اليم نسفا ) يقول : ثم لنذرينه في البحر تذرية ، يقال منه : نسف فلان الطعام بالمنسف : إذا ذراه فطير عنه قشوره وترابه باليد أو الريح . [ ص: 367 ] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا عبد الله قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله ( ثم لننسفنه في اليم نسفا ) يقول : لنذرينه في البحر .

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : ذراه في اليم ، واليم : البحر .

حدثنا موسى قال : ثنا عمرو قال : ثنا أسباط عن السدي قال : ذراه في اليم .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة في اليم ، قال : في البحر .

وقوله ( إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ) يقول : ما لكم أيها القوم معبود إلا الذي له عبادة جميع الخلق لا تصلح العبادة لغيره ، ولا تنبغي أن تكون إلا له ( وسع كل شيء علما ) يقول : أحاط بكل شيء علما فعلمه فلا يخفى عليه منه شيء ولا يضيق عليه علم جميع ذلك ، يقال منه : فلان يسع لهذا الأمر : إذا أطاقه وقوي عليه ، ولا يسع له : إذا عجز عنه فلم يطقه ولم يقو عليه .

وكان قتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة قوله ( وسع كل شيء علما ) يقول : ملأ كل شيء علما تبارك وتعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث