الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا "

القول في تأويل قوله تعالى : ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ( 27 ) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ( 28 ) ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ( 29 ) )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : عهدنا إليه أيضا أن أذن في الناس بالحج : يعني بقوله : ( وأذن ) أعلم وناد في الناس أن حجوا أيها الناس بيت الله الحرام ( يأتوك رجالا ) يقول : فإن الناس يأتون البيت الذي تأمرهم بحجه مشاة على أرجلهم ( وعلى كل ضامر ) يقول : وركبانا على كل ضامر ، وهي الإبل المهازيل ( يأتين من كل فج عميق ) يقول : تأتي هذه الضوامر من كل فج عميق : يقول : من كل طريق ومكان ومسلك بعيد . وقيل : يأتين . فجمع لأنه أريد بكل ضامر : النوق . ومعنى الكل : الجمع ، فلذلك قيل : يأتين . وقد زعم الفراء أنه قليل في كلام العرب : مررت على كل رجل قائمين . قال : وهو صواب ، وقول الله " وعلى ضامر يأتين " ينبئ على صحة جوازه . وذكر أنإبراهيم صلوات الله عليه لما أمره الله بالتأذين بالحج ، قام على مقامه فنادى : يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا بيته العتيق .

وقد اختلف في صفة تأذين إبراهيم بذلك . فقال بعضهم : نادى بذلك كما حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له : ( أذن في الناس بالحج ) قال : رب وما يبلغ صوتي ؟ قال : أذن وعلي البلاغ فنادى إبراهيم : أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فحجوا - قال : فسمعه ما بين السماء والأرض ، أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون .

[ ص: 606 ] حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا محمد بن فضيل بن غزوان الضبي ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما بنى إبراهيم البيت أوحى الله إليه ، أن أذن في الناس بالحج ، قال : فقال إبراهيم : ألا إن ربكم قد اتخذ بيتا ، وأمركم أن تحجوه ، فاستجاب له ما سمعه من شيء من حجر وشجر وأكمة أو تراب أو شيء : لبيك اللهم لبيك .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا ابن واقد ، عن أبي الزبير ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قوله : ( وأذن في الناس بالحج ) قال : قام إبراهيم خليل الله على الحجر ، فنادى : يا أيها الناس كتب عليكم الحج ، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، فأجابه من آمن من سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة : لبيك اللهم لبيك .

حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير : ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ) قال : وقرت في قلب كل ذكر وأنثى .

حدثني ابن حميد ، قال : ثنا حكام عن عمرو ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، قال : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت ، أوحى الله إليه ، أن أذن في الناس بالحج ، قال : فخرج فنادى في الناس : يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه ، فلم يسمعه يومئذ من إنس ، ولا جن ، ولا شجر ، ولا أكمة ، ولا تراب ، ولا جبل ، ولا ماء ، ولا شيء إلا قال : لبيك اللهم لبيك .

قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : قام إبراهيم على المقام حين أمر أن يؤذن في الناس بالحج .

حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، في قوله : ( وأذن في الناس بالحج ) قال : قام إبراهيم على مقامه ، فقال : يا أيها الناس أجيبوا ربكم ، فقالوا : لبيك اللهم لبيك ، فمن حج اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم يومئذ .

حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن عكرمة بن خالد المخزومي ، قال : لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت ، قام على المقام ، فنادى نداء سمعه أهل الأرض : إن ربكم قد بنى لكم بيتا فحجوه ، قال داود : [ ص: 607 ] فأرجو من حج اليوم من إجابة إبراهيم عليه السلام .

حدثني محمد بن سنان القزاز ، قال : ثنا حجاج ، قال : ثنا حماد ، عن أبي عاصم الغنوي ، عن أبي الطفيل ، قال : قال ابن عباس : هل تدري كيف كانت التلبية ؟ قلت : وكيف كانت التلبية ؟ قال : إن إبراهيم لما أمر أن يؤذن في الناس بالحج ، خفضت له الجبال رءوسها ، ورفعت القرى ، فأذن في الناس .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير عن منصور ، عن مجاهد قوله : ( وأذن في الناس بالحج ) قال إبراهيم : كيف أقول يا رب ؟ قال : قل : يا أيها الناس استجيبوا لربكم ، قال : وقرت في قلب كل مؤمن .

وقال آخرون فى ذلك ، ما حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان عن سلمة ، عن مجاهد ، قال : قيل لإبراهيم : أذن في الناس بالحج ، قال : يا رب كيف أقول ؟ قال : قل لبيك اللهم لبيك . قال : فكانت أول التلبية .

وكان ابن عباس يقول : عنى بالناس في هذا الموضع أهل القبلة .

ذكر الرواية بذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( وأذن في الناس بالحج ) يعني بالناس أهل القبلة ، ألم تسمع أنه قال : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا . . . [ إلى قوله : ( ومن دخله كان آمنا [ يقول : ومن دخله من الناس الذين أمر أن يؤذن فيهم ، وكتب عليهم الحج ، فإنه آمن ، فعظموا حرمات الله تعالى ، فإنها من تقوى القلوب .

وأما قوله : ( يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ) فإن أهل التأويل قالوا فيه نحو قولنا .

حدثنا القاسم ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : ( يأتوك رجالا ) قال : مشاة .

[ ص: 608 ] قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو معاوية عن الحجاج بن أرطأة ، قال : قال ابن عباس : ما آسى على شيء فاتني إلا أن لا أكون حججت ماشيا ، سمعت الله يقول : ( يأتوك رجالا ) .

قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : حج إبراهيم وإسماعيل ماشيين .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، عن ابن عباس : ( يأتوك رجالا ) قال : على أرجلهم .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( وعلى كل ضامر ) قال : الإبل .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : ( وعلى كل ضامر ) قال : الإبل .

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي ، قال : ثنا المحاربي ، عن عمر بن ذر ، قال : قال مجاهد : كانوا لا يركبون ، فأنزل الله : ( يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ) قال : فأمرهم بالزاد ، ورخص لهم في الركوب والمتجر .

وقوله ( من كل فج عميق ) حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( من كل فج عميق ) يعني : من مكان بعيد .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : ( من كل فج عميق ) قال : بعيد .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور عن معمر ، عن قتادة : ( فج عميق ) قال : مكان بعيد .

حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة مثله .

وقوله : ( ليشهدوا منافع لهم ) اختلف أهل التأويل في معنى المنافع التي ذكرها الله في هذا الموضع فقال بعضهم : هي التجارة ومنافع الدنيا .

ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد قال : ثنا حكام ، قال : ثنا [ ص: 609 ] عمرو بن عاصم ، عن أبي رزين ، عن ابن عباس : ( ليشهدوا منافع لهم ) قال : هي الأسواق .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : ثنا أبو تميلة ، عن أبي حمزة ، عن جابر بن الحكم ، عن مجاهد عن ابن عباس ، قال : تجارة .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن عاصم بن بهدلة ، عن أبي رزين ، في قوله : ( ليشهدوا منافع لهم ) قال : أسواقهم .

قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن واقد ، عن سعيد بن جبير : ( ليشهدوا منافع لهم ) قال : التجارة .

حدثنا عبد الحميد بن بيان ، قال : أخبرنا إسحاق عن سفيان ، عن واقد ، عن سعيد بن جبير مثله .

حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان عن واقد عن سعيد مثله .

حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا سنان ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي رزين : ( ليشهدوا منافع لهم ) قال : الأسواق .

وقال آخرون : هي الأجر في الآخرة ، والتجارة في الدنيا .

ذكر من قال ذلك : - حدثنا ابن بشار وسوار بن عبد الله ، قالا ثنا يحيى بن سعيد ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( ليشهدوا منافع لهم ) قال : التجارة ، وما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة .

حدثنا عبد الحميد بن بيان ، قال : ثنا إسحاق ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان عن سفيان عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .

حدثنا عبد الحميد بن بيان ، قال : ثنا سفيان قال : أخبرنا إسحاق عن أبي بشر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ( ليشهدوا منافع لهم ) قال : الأجر في الآخرة ، والتجارة في الدنيا .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله . [ ص: 610 ] وقال آخرون : بل هي العفو والمغفرة .

ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان عن جابر ، عن أبي جعفر : ( ليشهدوا منافع لهم ) قال : العفو .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني أبو تميلة عن أبي حمزة ، عن جابر قال : قال محمد بن علي : مغفرة .

وأولى الأقوال بالصواب قول من قال : عنى بذلك : ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة ، وذلك أن الله عم لهم منافع جميع ما يشهد له الموسم ، ويأتي له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة ، ولم يخصص من ذلك شيئا من منافعهم بخبر ولا عقل ، فذلك على العموم في المنافع التي وصفت .

وقوله : ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) يقول تعالى ذكره : وكي يذكروا اسم الله على ما رزقهم من الهدايا والبدن التي أهدوها من الإبل والبقر والغنم ، في أيام معلومات ، وهن أيام التشريق في قول بعض أهل التأويل . وفي قول بعضهم أيام العشر . وفي قول بعضهم : يوم النحر وأيام التشريق .

وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في ذلك بالروايات ، وبينا الأولى بالصواب منها في سورة البقرة ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع ، غير أني أذكر بعض ذلك أيضا في هذا الموضع .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، في قوله : ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) يعني أيام التشريق .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك في قوله : ( أيام معلومات ) يعني أيام التشريق ، ( على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) يعني البدن .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( في أيام معلومات ) قال : أيام العشر ، والمعدودات : أيام التشريق . [ ص: 611 ] وقوله : ( فكلوا منها ) يقول : كلوا من بهائم الأنعام التي ذكرتم اسم الله عليها أيها الناس هنالك . وهذا الأمر من الله جل ثناؤه أمر إباحة لا أمر إيجاب ، وذلك أنه لا خلاف بين جميع الحجة أن ذابح هديه أو بدنته هنالك إن لم يأكل من هديه أو بدنته أنه لم يضيع له فرضا كان واجبا عليه ، فكان معلوما بذلك أنه غير واجب .

ذكر الرواية عن بعض من قال ذلك من أهل العلم : - حدثنا سوار بن عبد الله ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن عطاء قوله : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) قال : كان لا يرى الأكل منها واجبا .

حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حصين ، عن مجاهد ، أنه قال : هي رخصة إن شاء أكل ، وإن شاء لم يأكل ، وهي كقوله : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) يعني قوله : ( فكلوا منها وأطمعوا القانع والمعتر ) .

قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم ، في قوله : ( فكلوا منها ) قال : هي رخصة ، فإن شاء أكل وإن شاء لم يأكل .

قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حجاج ، عن عطاء في قوله : ( فكلوا منها ) قال : هي رخصة ، فإن شاء لم وإن شاء لم يأكل .

حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا زيد قال : ثنا سفيان ، عن حصين عن مجاهد ، في قوله : ( فكلوا منها ) قال : إنما هي رخصة .

وقوله : ( وأطعموا البائس الفقير ) يقول :

وأطعموا مما تذبحون أو تنحرون هنالك من بهيمة الأنعام من هديكم وبدنكم البائس ، وهو الذي به ضر الجوع والزمانة والحاجة ، والفقير الذي لا شيء له .

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) يعني الزمن الفقير .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن رجل ، [ ص: 612 ] عن مجاهد : ( البائس الفقير ) الذي يمد إليك يديه .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : ( البائس الفقير ) قال : هو القانع .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عمر بن عطاء ، عن عكرمة ، قال : البائس : المضطر الذي عليه البؤس - والفقير : المتعفف .

قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : ( البائس ) الذي يبسط يديه . وقوله : ( ثم ليقضوا تفثهم ) يقول تعالى ذكره : ثم ليقضوا ما عليهم من مناسك حجهم : من حلق شعر ، وأخذ شارب ، ورمي جمرة ، وطواف بالبيت .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن أبي الشوارب ، قال : ثني يزيد ، قال : أخبرنا الأشعث بن سوار ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه قال : ( ثم ليقضوا تفثهم ) قال : ما هم عليه في الحج .

حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثني الأشعث ، عن نافع عن ابن عمر ، قال : التفث : المناسك كلها .

قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا عبد الملك عن عطاء ، عن ابن عباس ، أنه قال ، في قوله : ( ثم ليقضوا تفثهم ) قال : التفث : حلق الرأس ، وأخذ من الشاربين ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وقص الأظفار ، والأخذ من العارضين ، ورمي الجمار ، والموقف بعرفة والمزدلفة .

حدثنا حميد ، قال : ثنا بشر بن المفضل ، قال : ثنا خالد ، عن عكرمة ، قال : التفث : الشعر والظفر .

حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن خالد ، عن عكرمة مثله .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني أبو صخر ، عن محمد بن كعب القرظي ، أنه كان يقول في هذه الآية : ( ثم ليقضوا تفثهم ) رمي الجمار ، وذبح الذبيحة ، وأخذ من الشاربين واللحية والأظفار ، والطواف [ ص: 613 ] بالبيت وبالصفا والمروة .

حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد أنه قال في هذه الآية : ( ثم ليقضوا تفثهم ) قال : هو حلق الرأس ، وذكر أشياء من الحج قال شعبة : لا أحفظها .

قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن الحكم عن مجاهد مثله .

حدثني محمد بن عمرو; قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( ثم ليقضوا تفثهم ) قال : حلق الرأس ، وحلق العانة ، وقصر الأظفار ، وقص الشارب ، ورمي الجمار ، وقص اللحية .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله . إلا أنه لم يقل في حديثه : وقص اللحية .

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي ، قال : ثنا المحاربي ، قال : سمعت رجلا يسأل ابن جريج ، عن قوله : ( ثم ليقضوا تفثهم ) قال : الأخذ من اللحية ، ومن الشارب ، وتقليم الأظفار ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، ورمي الجمار .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا منصور ، عن الحسن ، وأخبرنا جويبر ، عن الضحاك أنهما قالا : حلق الرأس .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( ثم ليقضوا تفثهم ) يعني حلق الرأس .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قال : التفث : حلق الرأس ، وتقليم الظفر .

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( ثم ليقضوا تفثهم ) يقول : نسكهم .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( ثم ليقضوا تفثهم ) قال : التفث : حرمهم .

حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( ثم ليقضوا تفثهم ) قال : يعني بالتفث وضع إحرامهم من حلق الرأس ، ولبس الثياب ، وقص الأظفار ونحو ذلك . [ ص: 614 ] حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ، قال : التفث : حلق الشعر ، وقص الأظفار والأخذ من الشارب ، وحلق العانة ، وأمر الحج كله .

وقوله : ( وليوفوا نذورهم ) يقول : وليوفوا الله بما نذروا من هدي وبدنة وغير ذلك .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( وليوفوا نذورهم ) نحر ما نذروا من البدن .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى - وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وليوفوا نذورهم ) نذر الحج والهدي ، وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : ( وليوفوا نذورهم ) قال : نذر الحج والهدي ، وما نذر الإنسان على نفسه من شيء يكون في الحج .

وقوله : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) يقول : وليطوفوا ببيت الله الحرام .

واختلف أهل التأويل في معنى قوله : ( العتيق ) في هذا الموضع ، فقال بعضهم : قيل ذلك لبيت الله الحرام ، لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه وهدمه .

ذكر من قال ذلك : - حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، أن ابن الزبير ، قال : إنما سمي البيت العتيق ، لأن الله أعتقه من الجبابرة .

حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن الزبير مثله .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قال : إنما سمي العتيق ، لأنه أعتق من الجبابرة . [ ص: 615 ] قال : ثنا سفيان ، قال : ثنا أبو هلال ، عن قتادة : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) قال : أعتق من الجبابرة .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( البيت العتيق ) قال : أعتقه الله من الجبابرة ، يعني الكعبة .

وقال آخرون : قيل له عتيق ، لأنه لم يملكه أحد من الناس .

ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن عبيد ، عن مجاهد ، قال : إنما سمي البيت العتيق لأنه ليس لأحد فيه شيء .

وقال آخرون : سمي بذلك لقدمه .

ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( البيت العتيق ) قال : العتيق : القديم ، لأنه قديم ، كما يقال : السيف العتيق ، لأنه أول بيت وضع للناس بناه آدم ، وهو أول من بناه ، ثم بوأ الله موضعه لإبراهيم بعد الغرق ، فبناه إبراهيم وإسماعيل .

قال أبو جعفر : ولكل هذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه في قوله : ( البيت العتيق ) وجه صحيح ، غير أن الذي قاله ابن زيد أغلب معانيه عليه في الظاهر . غير أن الذي روي عن ابن الزبير أولى بالصحة ، إن كان ما : حدثني به محمد بن سهل البخاري ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : أخبرني الليث ، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، عن الزهري ، عن محمد بن عروة ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما سمي البيت العتيق لأن الله أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه قط صحيحا .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال الزهري : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما سمي البيت العتق لأن الله أعتقه " ثم ذكر مثله .

وعنى بالطواف الذي أمر جل ثناؤه حاج بيته العتيق به في هذه الآية طواف الإفاضة الذي يطاف به بعد التعريف ، إما يوم النحر وإما بعده ، لا خلاف [ ص: 616 ] بين أهل التأويل في ذلك .

ذكر الرواية عن بعض من قال ذلك : حدثنا عمرو بن سعيد القرشي ، قال : ثنا الأنصاري ، عن أشعث ، عن الحسن : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) قال : طواف الزيارة .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا خالد قال : ثنا الأشعث ، أن الحسن قال في قوله : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) قال : الطواف الواجب .

حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) يعني زيارة البيت .

حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، عن حجاج وعبد الملك ، عن عطاء ، في قوله : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) قال : طواف يوم النحر .

حدثني أبو عبد الرحمن البرقي ، قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة ، قال : سألت زهيرا عن قول الله : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) قال : طواف الوداع .

واختلف القراء في قراءة هذه الحروف ، فقرأ ذلك عامة قراء الكوفة " ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا " بتسكين اللام في كل ذلك طلب التخفيف ، كما فعلوا في هو إذا كانت قبله واو ، فقالوا " وهو عليم بذات الصدور " فسكنوا الهاء ، وكذلك يفعلون في لام الأمر إذا كان قبلها حرف من حروف النسق كالواو والفاء وثم . وكذلك قرأت عامة قراء أهل البصرة ، غير أن أبا عمرو بن العلاء كان يكسر اللام من قوله : ( ثم ليقضوا ) خاصة من أجل أن الوقوف على ثم دون " ليقضوا " حسن ، وغير جائز الوقوف على الواو والفاء ، وهذا الذي اعتل به أبو عمرو لقراءته علة حسنة من جهة القياس ، غير أن أكثر القراء على تسكينها .

وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندي ، أن التسكين في لام " ليقضوا " والكسر قراءتان مشهورتان ، ولغتان سائرتان ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب . غير أن الكسر فيها خاصة أقيس ، لما ذكرنا لأبي عمرو من العلة ، لأن من قرأ " وهو عليم بذات الصدور " فهو بتسكين الهاء مع الواو والفاء ، ويحركها في قوله : ( ثم هو يوم القيامة من المحضرين ) فذلك الواجب عليه أن يفعل [ ص: 617 ] في قوله : " ثم ليقضوا تفثهم " فيحرك اللام إلى الكسر مع " ثم " وإن سكنها في قوله : ( وليوفوا نذورهم ) . وقد ذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي والحسن البصري تحريكها مع " ثم " والواو ، وهي لغة مشهورة ، غير أن أكثر القراء مع الواو والفاء على تسكينها ، وهي أشهر اللغتين في العرب وأفصحها ، فالقراءة بها أعجب إلي من كسرها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث