الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " واقصد في مشيك واغضض من صوتك "

القول في تأويل قوله تعالى : ( واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ( 19 ) ) [ ص: 146 ]

يقول : وتواضع في مشيك إذا مشيت ، ولا تستكبر ، ولا تستعجل ، ولكن اتئد .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، غير أن منهم من قال : أمره بالتواضع في مشيه ، ومنهم من قال : أمره بترك السرعة فيه .

ذكر من قال : أمره بالتواضع في مشيه :

حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى بن واضح قال : ثنا أبو حمزة ، عن جابر ، عن مجاهد ( واقصد في مشيك ) قال : التواضع .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( واقصد في مشيك ) قال : نهاه عن الخيلاء .

ذكر من قال نهاه عن السرعة :

حدثنا ابن حميد قال : ثنا ابن المبارك ، عن عبد الله بن عقبة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، في قوله : ( واقصد في مشيك ) قال : من السرعة . قوله : ( واغضض من صوتك ) يقول : واخفض من صوتك ، فاجعله قصدا إذا تكلمت .

كما حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( واغضض من صوتك ) قال : أمره بالاقتصاد في صوته .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( واغضض من صوتك ) قال : اخفض من صوتك .

واختلف أهل التأويل قوله : ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) فقال بعضهم : معناه : إن أقبح الأصوات .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا : ثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة وأبان بن تغلب قالا : ثنا أبو معاوية عن جويبر ، عن الضحاك ( إن أنكر الأصوات ) قال : إن أقبح الأصوات ( لصوت الحمير ) .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) أي : أقبح الأصوات لصوت الحمير ، أوله زفير ، وآخره شهيق ، أمره بالاقتصاد في صوته . [ ص: 147 ]

حدثنا ابن بشار قال : ثنا مؤمل قال : ثنا سفيان قال : سمعت الأعمش يقول : ( إن أنكر الأصوات ) صوت الحمير .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن أشر الأصوات .

ذكر من قال ذلك :

حدثت عن يحيى بن واضح ، عن أبي حمزة ، عن جابر عن عكرمة والحكم بن عتيبة ( إن أنكر الأصوات ) قال : أشر الأصوات .

قال جابر : وقال الحسن بن مسلم : أشد الأصوات .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) قال : لو كان رفع الصوت هو خيرا ما جعله للحمير .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معناه : إن أقبح أو أشر الأصوات ، وذلك نظير قولهم : إذا رأوا وجها قبيحا ، أو منظرا شنيعا ، ما أنكر وجه فلان ، وما أنكر منظره .

وأما قوله : ( لصوت الحمير ) فأضيف الصوت ، وهو واحد ، إلى الحمير وهي جماعة ، فإن ذلك لوجهين : إن شئت قلت : الصوت بمعنى الجمع ، كما قيل : ( لذهب بسمعهم ) وإن شئت قلت : معنى الحمير : معنى الواحد ، لأن الواحد في مثل هذا الموضع يؤدي عما يؤدي عنه الجمع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث