الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون "

القول في تأويل قوله تعالى : ( إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ( 8 ) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ( 9 ) ) [ ص: 493 ]

يقول - تعالى ذكره - : إنا جعلنا أيمان هؤلاء الكفار مغلولة إلى أعناقهم بالأغلال ، فلا تبسط بشيء من الخيرات . وهي في قراءة عبد الله فيما ذكر ( إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا فهي إلى الأذقان ) وقوله ( إلى الأذقان ) يعني : فأيمانهم مجموعة بالأغلال في أعناقهم ، فكني عن الأيمان ، ولم يجر لها ذكر لمعرفة السامعين بمعنى الكلام ، وأن الأغلال إذا كانت في الأعناق لم تكن إلا وأيدي المغلولين مجموعة بها إليها ، فاستغنى بذكر كون الأغلال في الأعناق من ذكر الأيمان ، كما قال الشاعر :


وما أدري إذا يممت وجها أريد الخير أيهما يليني     أألخير الذي أنا أبتغيه
أم الشر الذي لا يأتليني

فكنى عن الشر ، وإنما ذكر الخير وحده لعلم سامع ذلك بمعنى قائله ، إذ كان الشر مع الخير يذكر . والأذقان : جمع ذقن ، والذقن : مجمع اللحيين .

وقوله ( فهم مقمحون ) والمقمح هو المقنع ، وهو أن يحدر الذقن حتى يصير في الصدر ، ثم يرفع رأسه في قول بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة ، وفي قول بعض الكوفيين : هو الغاض بصره بعد رفع رأسه .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل [ ص: 494 ] .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ) قال : هو كقول الله ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم ، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله ( فهم مقمحون ) قال : رافعو رءوسهم ، وأيديهم موضوعة على أفواههم .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ) : أي فهم مغلولون عن كل خير .

وقوله ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ) يقول - تعالى ذكره - : وجعلنا من بين أيدي هؤلاء المشركين سدا ، وهو الحاجز بين الشيئين ; إذا فتح كان من فعل بني آدم ، وإذا كان من فعل الله كان بالضم . وبالضم قرأ ذلك قراء المدينة ، والبصرة ، وبعض الكوفيين . وقرأه بعض المكيين وعامة قراء الكوفيين بفتح السين ( سدا ) في الحرفين كلاهما ; والضم أعجب القراءتين إلي في ذلك ، وإن كانت الأخرى جائزة صحيحة .

وعنى بقوله ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ) أنه زين لهم سوء أعمالهم فهم يعمهون ، ولا يبصرون رشدا ، ولا يتنبهون حقا .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني ابن حميد قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، [ ص: 495 ] عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله ( من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ) قال : عن الحق .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ) عن الحق فهم يترددون .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ) قال : ضلالات .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قول الله ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) قال : جعل هذا سدا بينهم وبين الإسلام والإيمان ، فهم لا يخلصون إليه ، وقرأ ( وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) وقرأ ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ) . . . الآية كلها ، وقال : من منعه الله لا يستطيع .

وقوله ( فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) يقول : فأغشينا أبصار هؤلاء أي : جعلنا عليها غشاوة ; فهم لا يبصرون هدى ولا ينتفعون به .

كما حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) هدى ، ولا ينتفعون به .

وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام حين حلف أن يقتله أو يشدخ رأسه بصخرة .

ذكر الرواية بذلك :

حدثني عمران بن موسى قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد قال : ثنا عمارة بن أبي حفصة ، عن عكرمة قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن ، فأنزلت ( إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ) . . إلى قوله ( فهم لا يبصرون ) [ ص: 496 ] قال : فكانوا يقولون : هذا محمد ، فيقول أين هو ، أين هو؟ لا يبصره . وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك : ( فأعشيناهم فهم لا يبصرون ) بالعين بمعنى : أعشيناهم عنه ، وذلك أن العشا هو أن يمشي بالليل ولا يبصر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث