الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " وعندهم قاصرات الطرف عين "

[ ص: 41 ] القول في تأويل قوله تعالى : ( وعندهم قاصرات الطرف عين ( 48 ) كأنهن بيض مكنون ( 49 ) فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ( 50 ) )

يقول - تعالى ذكره - : وعند هؤلاء المخلصين من عباد الله في الجنة قاصرات الطرف ، وهن النساء اللواتي قصرن أطرافهن على بعولتهن ، لا يردن غيرهم ، ولا يمددن أبصارهن إلى غيرهم .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ( وعندهم قاصرات الطرف عين ) يقول : عن غير أزواجهن .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( وعندهم قاصرات الطرف عين ) قال : على أزواجهن ، زاد الحارث في حديثه : لا تبغي غيرهم .

حدثنا محمد بن الحسين قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله ( وعندهم قاصرات الطرف ) قال : قصرن أبصارهن وقلوبهن على [ ص: 42 ] أزواجهن ، فلا يردن غيرهم .

حدثنا محمد بن الحسين قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي قال : ذكر أيضا عن منصور ، عن مجاهد مثله .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وعندهم قاصرات الطرف ) قال : قصرن طرفهن على أزواجهن ، فلا يردن غيرهم .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قول الله ( قاصرات الطرف ) قال : لا ينظرن إلا إلى أزواجهن ، قد قصرن أطرافهن على أزواجهن ، ليس كما يكون نساء أهل الدنيا .

وقوله ( عين ) يعني بالعين : النجل العيون عظامها ، وهي جمع عيناء ، والعيناء : المرأة الواسعة العين عظيمتها ، وهي أحسن ما تكون من العيون .

ونحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا محمد بن الحسين قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله ( عين ) قال : عظام الأعين .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله ( عين ) قال : العيناء : العظيمة العين .

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال : ثنا محمد بن الفرج الصدفي الدمياطي ، عن عمرو بن هاشم ، عن ابن أبي كريمة ، عن هشام بن حسان ، عن أبيه ، عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت : قلت : يا رسول الله أخبرني عن قول الله : ( حور عين ) قال : " العين : الضخام العيون ، شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر " .

وقوله ( كأنهن بيض مكنون ) اختلف أهل التأويل في الذي به شبهن من [ ص: 43 ] البيض بهذا القول ، فقال بعضهم : شبهن ببطن البيض في البياض ، وهو الذي داخل القشر ، وذلك أن ذلك لم يمسه شيء .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، في قوله ( كأنهن بيض مكنون ) قال : كأنهن بطن البيض .

حدثنا محمد بن الحسين قال : ثنا أحمد بن المفضل قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( كأنهن بيض مكنون ) قال : البيض حين يقشر قبل أن تمسه الأيدي .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( كأنهن بيض مكنون ) لم تمر به الأيدي ولم تمسه ، يشبهن بياضه .

وقال آخرون : بل شبهن بالبيض الذي يحضنه الطائر ، فهو إلى الصفرة ، فشبه بياضهن في الصفرة بذلك .

ذكر من قال ذلك :

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله ( كأنهن بيض مكنون ) قال : البيض الذي يكنه الريش ، مثل بيض النعام الذي قد أكنه الريش من الريح ، فهو أبيض إلى الصفرة فكأنه يبرق ، فذلك المكنون .

وقال آخرون : بل عنى بالبيض في هذا الموضع : اللؤلؤ ، وبه شبهن في بياضه وصفائه .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله ( كأنهن بيض مكنون ) يقول : اللؤلؤ المكنون .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال : شبهن في بياضهن ، وأنهن لم يمسهن قبل أزواجهن إنس ولا جان ببياض البيض الذي هو داخل [ ص: 44 ] القشر ، وذلك هو الجلدة الملبسة المح قبل أن تمسه يد أو شيء غيرها ، وذلك لا شك هو المكنون ، فأما القشرة العليا فإن الطائر يمسها ، والأيدي تباشرها ، والعش يلقاها . والعرب تقول لكل مصون : مكنون . ما كان ذلك الشيء ، لؤلؤا كان أو بيضا أو متاعا ، كما قال أبو دهبل :


وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوا ص ميزت من جوهر مكنون



وتقول لكل شيء أضمرته الصدور : أكنته ، فهو مكن .

وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال : ثنا محمد بن الفرج الصدفي الدمياطي ، عن عمرو بن هاشم عن ابن أبي كريمة ، عن هشام ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة " قلت : يا رسول الله أخبرني عن قوله ( كأنهن بيض مكنون ) قال : " رقتهن كرقة الجلدة التي رأيتها في داخل البيضة التي تلي القشر وهي الغرقئ "

وقوله ( فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) يقول - تعالى ذكره - : فأقبل بعض أهل الجنة على بعض يتساءلون ، يقول : يسأل بعضهم بعضا .

كما حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) أهل الجنة .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله ( فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) قال : أهل الجنة .

[ ص: 45 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث