الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " قال فالحق والحق أقول "

القول في تأويل قوله تعالى : ( قال فالحق والحق أقول ( 84 ) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ( 85 ) قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ( 86 ) )

اختلفت القراء في قراءة قوله ( قال فالحق والحق أقول ) فقرأه بعض أهل الحجاز وعامة الكوفيين برفع الحق الأول ، ونصب الثاني . وفي رفع الحق الأول إذا قرئ كذلك وجهان : أحدهما رفعه بضمير له الحق ، أو أنا الحق وأقول الحق . والثاني : أن يكون مرفوعا بتأويل قوله ( لأملأن ) فيكون معنى الكلام حينئذ : فالحق أن أملأ جهنم منك ، كما يقول : عزمة صادقة لآتينك ، فرفع عزمة بتأويل لآتينك ، لأن تأويله أن آتيك ، كما قال : ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه ) فلا بد لقوله ( بدا لهم ) من مرفوع ، وهو مضمر في المعنى . وقرأ [ ص: 242 ] ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض المكيين والكوفيين بنصب الحق الأول والثاني كليهما ، بمعنى : حقا لأملأن جهنم والحق أقول ، ثم أدخلت الألف واللام عليه ، وهو منصوب ، لأن دخولهما إذا كان كذلك معنى الكلام وخروجهما منه سواء ، كما سواء قولهم : حمدا لله ، والحمد لله عندهم إذا نصب . وقد يحتمل أن يكون نصبه على وجه الإغراء بمعنى : الزموا الحق ، واتبعوا الحق ، والأول أشبه لأنه خطاب من الله لإبليس بما هو فاعل به وبتباعه .

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، لصحة معنييهما .

وأما الحق الثاني ، فلا اختلاف في نصبه بين قراء الأمصار كلهم ، بمعنى : وأقول الحق .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد في قوله ( فالحق والحق أقول ) يقول الله : أنا الحق ، والحق أقول .

وحدثت عن ابن أبي زائدة عن ابن جريج عن مجاهد ( فالحق والحق أقول ) يقول الله : الحق مني ، وأقول الحق .

حدثنا أحمد بن يوسف قال : ثنا القاسم قال : ثنا حجاج عن هارون قال : ثنا أبان بن تغلب عن طلحة اليامي عن مجاهد أنه قرأها ( فالحق ) بالرفع ( والحق أقول ) نصبا وقال : يقول الله : أنا الحق ، والحق أقول .

حدثنا محمد قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي في قوله ( قال فالحق والحق أقول ) قال : قسم أقسم الله به .

وقوله ( لأملأن جهنم منك ) يقول لإبليس : لأملأن جهنم منك وممن تبعك من بني آدم أجمعين . وقوله ( قل ما أسألكم عليه من أجر ) يقول تعالى [ ص: 243 ] ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - : قل يا محمد لمشركي قومك ، القائلين لك ( أؤنزل عليه الذكر من بيننا ) : ما أسألكم على هذا الذكر وهو القرآن الذي أتيتكم به من عند الله أجرا ، يعني ثوابا وجزاء ( وما أنا من المتكلفين ) يقول : وما أنا ممن يتكلف تخرصه وافتراءه ، فتقولون : ( إن هذا إلا إفك افتراه ) و ( إن هذا إلا اختلاق ) .

كما حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله ( قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ) قال : لا أسألكم على القرآن أجرا تعطوني شيئا ، وما أنا من المتكلفين أتخرص وأتكلف ما لم يأمرني الله به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث