الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "فاجتباه ربه فجعله من الصالحين "

القول في تأويل قوله تعالى : ( فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ( 50 ) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون ( 51 ) وما هو إلا ذكر للعالمين ( 52 ) )

يقول تعالى ذكره : فاجتبى صاحب الحوت ربه ، يعني : اصطفاه واختاره لنبوته ( فجعله من الصالحين ) يعني من المرسلين العاملين بما أمرهم به ربهم ، المنتهين عما نهاهم عنه .

وقوله : ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ) يقول جل ثناؤه : وإن يكاد الذين كفروا يا محمد ينفذونك بأبصارهم من شدة عداوتهم لك ، ويزيلونك فيرموا بك عند نظرهم إليك غيظا عليك . وقد قيل : إنه عني بذلك : وإن يكاد الذين كفروا مما عانوك بأبصارهم ليرمون بك يا محمد ، ويصرعونك ، كما تقول العرب : كاد فلان يصرعني بشدة نظره إلي ، قالوا : وإنما كانت قريش عانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوه بالعين ، فنظروا إليه ليعينوه ، وقالوا : ما رأينا رجلا مثله ، أو : إنه لمجنون ، فقال الله لنبيه عند ذلك : وإن يكاد الذين كفروا ليرمونك بأبصارهم ( لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون ) .

وبنحو الذي قلنا في معنى ( ليزلقونك ) قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، في قوله : ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ) يقول : ينفذونك بأبصارهم من شدة النظر ، يقول ابن عباس : يقال للسهم : زهق السهم أو زلق .

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ( ليزلقونك بأبصارهم ) [ ص: 565 ] يقول : لينفذونك بأبصارهم .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ) يقول : ليزهقونك بأبصارهم .

حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا معاوية ، عن إبراهيم ، عن عبد الله أنه كان يقرأ : ( وإن يكاد الذين كفروا ليزهقونك ) .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ( ليزلقونك ) قال : لينفذونك بأبصارهم .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة في قوله : ( ليزلقونك بأبصارهم ) قال : ليزهقونك ، وقال الكلبي : ليصرعونك .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ) لينفذونك بأبصارهم معاداة لكتاب الله ، ولذكر الله .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ) يقول : ينفذونك بأبصارهم من العداوة والبغضاء .

واختلفت القراء في قراءة قوله : ( ليزلقونك ) فقرأ ذلك عامة قراء المدينة ( ليزلقونك ) بفتح الياء ، من زلقته أزلقه زلقا . وقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة ( ليزلقونك ) بضم الياء من أزلقه يزلقه .

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان ، ولغتان مشهورتان في العرب متقاربتا المعنى; والعرب تقول للذي يحلق الرأس : قد أزلقه وزلقه ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب .

وقوله : ( لما سمعوا الذكر ) يقول : لما سمعوا كتاب الله يتلى ( ويقولون إنه لمجنون ) يقول تعالى ذكره : يقول هؤلاء المشركون الذين وصف صفتهم : إن محمدا لمجنون ، وهذا الذي جاءنا به من الهذيان الذي يهذي به في جنونه ( وما هو إلا ذكر للعالمين ) وما محمد إلا ذكر ذكر الله به العالمين الثقلين الجن والإنس .

آخر تفسير سورة ن والقلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث