الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب في الركاز الخمس وقال مالك وابن إدريس الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيره الخمس وليس المعدن بركاز وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المعدن جبار وفي الركاز الخمس وأخذ عمر بن عبد العزيز من المعادن من كل مائتين خمسة وقال الحسن ما كان من ركاز في أرض الحرب ففيه الخمس وما كان من أرض السلم ففيه الزكاة وإن وجدت اللقطة في أرض العدو فعرفها وإن كانت من العدو ففيها الخمس وقال بعض الناس المعدن ركاز مثل دفن الجاهلية لأنه يقال أركز المعدن إذا خرج منه شيء قيل له قد يقال لمن وهب له شيء أو ربح ربحا كثيرا أو كثر ثمره أركزت ثم ناقض وقال لا بأس أن يكتمه فلا يؤدي الخمس

1428 حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس

التالي السابق


قوله : ( باب ما يستخرج من البحر ) أي هل تجب فيه الزكاة أو لا ؟ وإطلاق الاستخراج أعم من أن يكون بسهولة كما يوجد في الساحل ، أو بصعوبة كما يوجد بعد الغوص ونحوه .

قوله : ( وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس العنبر بركاز ، إنما هو شيء دسره البحر ) اختلف في العنبر ، فقال الشافعي في كتاب السلم من الأم : أخبرني عدد ممن أثق بخبره أنه نبات يخلقه الله في جنبات البحر ، قال : وقيل إنه يأكله حوت فيموت فيلقيه البحر فيؤخذ فيشق بطنه فيخرج منه . وحكى ابن رستم ، عن محمد بن الحسن أنه ينبت في البحر بمنزلة الحشيش في البر ، وقيل : هو شجر ينبت في البحر فيتكسر فيلقيه الموج إلى الساحل ، وقيل : يخرج من عين ، قاله ابن سينا ، قال : وما يحكى من أنه روث دابة أو قيؤها أو من زبد البحر بعيد . وقال ابن البيطار في جامعه : هو روث دابة بحرية ، وقيل : هو شيء ينبت في قعر البحر ، ثم حكي نحو ما تقدم عن الشافعي . وأما الركاز فبكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي سيأتي تحقيقه في الباب الذي بعده ، ودسره أي دفعه ورمى به إلى الساحل ، وهذا التعليق وصله الشافعي ، قال : " أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن أذينة ، عن ابن عباس " فذكر مثله . وأخرجه البيهقي من طريقه ومن طريق يعقوب بن سفيان : " حدثنا الحميدي وغيره عن ابن عيينة " . وصرح فيه بسماع أذينة له من ابن عباس ، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن وكيع ، عن سفيان الثوري ، عن عمرو بن دينار مثله ، وأذينة [ ص: 425 ] بمعجمة ونون مصغر تابعي ثقة . وقد جاء عن ابن عباس التوقف فيه ، فأخرج ابن أبي شيبة من طريق طاوس ، قال : " سئل ابن عباس عن العنبر ، فقال : إن كان فيه شيء ففيه الخمس . ويجمع بين القولين بأنه كان يشك فيه ، ثم تبين له أن لا زكاة فيه فجزم بذلك .

قوله : ( وقال الحسن : في العنبر واللؤلؤ الخمس ) وصله أبو عبيد في " كتاب الأموال " من طريقه بلفظ : " أنه كان يقول : في العنبر الخمس ، وكذلك اللؤلؤ " .

قوله : ( فإنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم . . . إلخ ) سيأتي موصولا في الذي بعده ، وأراد بذلك الرد على ما قال الحسن ، لأن الذي يستخرج من البحر لا يسمى في لغة العرب ركازا على ما سيأتي شرحه ، قال ابن القصار : ومفهوم الحديث أن غير الركاز لا خمس فيه ، ولا سيما اللؤلؤ والعنبر ، لأنهما يتولدان من حيوان البحر فأشبها السمك . انتهى .

قوله : ( وقال الليث إلخ ) هكذا أورده مختصرا ، وقد أورده ثم وصله في البيوع ، وسيأتي الكلام عليه مستوفى هناك ، إن شاء الله تعالى . ووقع هنا في روايتنا من طريق أبي ذر معلقا ، ووصله أبو ذر فقال : " حدثنا علي بن وصيف ، حدثنا محمد بن غسان ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا الليث به " . وقرأت بخط الحافظ أبي علي الصدفي هذا الحديث رواه عاصم بن علي ، عن الليث ، فلعل البخاري إنما لم يسنده عنه لكونه ما سمعه عنه ، أو لأنه تفرد به فلم يوافقه عليه أحد . انتهى . والأول بعيد ، سلمنا ، لكن لم ينفرد به عاصم فقد اعترف أبو علي بذلك فقال في آخر كلامه : " رواه محمد بن رمح ، عن الليث " . قلت : وكأنه لم يقف على الموضع الذي وصله فيه البخاري ، عن عبد الله بن صالح ، وبالله التوفيق .

قال الإسماعيلي : ليس في هذا الحديث شيء يناسب الترجمة ، رجل اقترض قرضا فارتجع قرضه ، وكذا قال الداودي : حديث الخشبة ليس من هذا الباب في شيء ، وأجاب أبو عبد الملك بأنه أشار به إلى أن كل ما ألقاه البحر جاز أخذه ولا خمس فيه . وقال ابن المنير موضع الاستشهاد منه أخذ الرجل الخشبة على أنها حطب ، فإذا قلنا : إن شرع من قبلنا شرع لنا فيستفاد منه إباحة ما يلفظه البحر من مثل ذلك مما نشأ في البحر أو عطب فانقطع ملك صاحبه ، وكذلك ما لم يتقدم عليه ملك لأحد من باب الأولى ، وكذلك ما يحتاج إلى معاناة وتعب في استخراجه أيضا ، وقد فرق الأوزاعي بين ما يوجد في الساحل ، فيخمس أو في البحر بالغوص أو نحوه فلا شيء فيه ، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب فيه شيء إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز ، كما أخرجه ابن أبي شيبة ، وكذا الزهري والحسن كما تقدم ، وهو قول أبي يوسف ورواية عن أحمد .

[ ص: 426 ] قوله : ( باب : في الركاز الخمس ) الركاز بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي : المال المدفون مأخوذ من الركز بفتح الراء ، يقال : ركزه يركزه ركزا إذا دفنه فهو مركوز ، وهذا متفق عليه ، واختلف في المعدن كما سيأتي .

قوله : ( وقال مالك وابن إدريس : الركاز دفن الجاهلية . . . إلخ ) أما قول مالك فرواه أبو عبيد في " كتاب الأموال " حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير ، عن مالك ، قال : المعدن بمنزلة الزرع ، تؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من الزرع حتى يحصد ، قال : وهذا ليس بركاز ، إنما الركاز دفن الجاهلية الذي يؤخذ من غير أن يطلب بمال ولا يتكلف له كثير عمل . انتهى . وهكذا هو في سماعنا من " الموطأ " رواية يحيى بن بكير ، لكن قال فيه : " عن مالك عن بعض أهل العلم " . وأما قوله : " في قليله وكثيره الخمس " . فنقله ابن المنذر عنه كذلك ، وفيه عند أصحابه عنه اختلاف ، وقوله : " دفن الجاهلية " بكسر الدال وسكون الفاء : الشيء المدفون ؛ كذبح بمعنى مذبوح ، وأما بالفتح فهو المصدر ولا يراد هنا . وأما ابن إدريس ، فقال ابن التين : قال أبو ذر يقال : إن ابن إدريس هو الشافعي ، ويقال : عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي ، وهو أشبه ، كذا قال ، وقد جزم أبو زيد المروزي أحد الرواة عن الفربري بأنه الشافعي ، وتابعه البيهقي وجمهور الأئمة ، ويؤيده أن ذلك وجد في عبارة الشافعي دون الأودي ، فروى البيهقي في " المعرفة " من طريق الربيع قال : قال الشافعي : والركاز الذي فيه الخمس دفن الجاهلية ما وجد في غير ملك لأحد ، وأما قوله : " في قليله وكثيره الخمس " . فهو قوله في القديم كما نقله ابن المنذر واختاره ، وأما الجديد فقال : لا يجب فيه الخمس حتى يبلغ نصاب الزكاة ، والأول قول الجمهور كما نقله ابن المنذر أيضا ، وهو مقتضى ظاهر الحديث .

قوله : ( وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المعدن جبار وفي الركاز الخمس ) أي فغاير بينهما ، وهذا وصله في آخر الباب من حديث أبي هريرة ، ويأتي الكلام عليه .

قوله : ( وأخذ عمر بن عبد العزيز من المعادن من كل مائتين خمسة ) وصله أبو عبيد في " كتاب الأموال " من طريق الثوري ، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم نحوه ، وروى البيهقي من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة أن عمر بن عبد العزيز جعل المعدن بمنزلة الركاز يؤخذ منه الخمس ، ثم عقب بكتاب آخر فجعل فيه الزكاة .

[ ص: 427 ] قوله : ( وقال الحسن : ما كان من ركاز في أرض الحرب ففيه الخمس ، وما كان في أرض السلم ففيه الزكاة ) وصله ابن أبي شيبة من طريق عاصم ، الأحول عنه بلفظ : " إذا وجد الكنز في أرض العدو ففيه الخمس ، وإذا وجد في أرض العرب ففيه الزكاة " . قال ابن المنذر : ولا أعلم أحدا فرق هذه التفرقة غير الحسن .

قوله : ( وإن وجدت اللقطة في أرض العدو فعرفها وإن كانت من العدو ففيها الخمس ) لم أقف عليه موصولا وهو بمعنى ما تقدم عنه .

قوله : ( وقال بعض الناس : المعدن ركاز . . . إلخ ) قال ابن التين : المراد ببعض الناس أبو حنيفة . قلت : وهذا أول موضع ذكره فيه البخاري بهذه الصيغة ، ويحتمل أن يريد به أبا حنيفة وغيره من الكوفيين ممن قال بذلك ، قال ابن بطال : ذهب أبو حنيفة والثوري وغيرهما إلى أن المعدن كالركاز ، واحتج لهم بقول العرب : أركز الرجل إذا أصاب ركازا ، وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن . والحجة للجمهور تفرقة النبي صلى الله عليه وسلم بين المعدن والركاز بواو العطف فصح أنه غيره ، قال : وما ألزم به البخاري القائل المذكور قد يقال لمن وهب له الشيء أو ربح ربحا كثيرا أو كثر ثمره : أركزت حجة بالغة ، لأنه لا يلزم من الاشتراك في الأسماء الاشتراك في المعنى ، إلا إن أوجب ذلك من يجب التسليم له ، وقد أجمعوا على أن المال الموهوب لا يجب فيه الخمس ، وإن كان يقال له : أركز ، فكذلك المعدن . وأما قوله : " ثم ناقض " إلى آخر كلامه فليس كما قال ، وإنما أجاز له أبو حنيفة أن يكتمه إذا كان محتاجا ، بمعنى أنه يتأول أن له حقا في بيت المال ونصيبا في الفيء ، فأجاز له أن يأخذ الخمس لنفسه عوضا عن ذلك ، لا أنه أسقط الخمس عن المعدن ا هـ . وقد نقل الطحاوي المسألة التي ذكرها ابن بطال ، ونقل أيضا أنه لو وجد في داره معدنا فليس عليه شيء ، وبهذا يتجه اعتراض البخاري . والفرق بين المعدن والركاز في الوجوب وعدمه ، أن المعدن يحتاج إلى عمل ومؤنة ومعالجة لاستخراجه بخلاف الركاز ، وقد جرت عادة الشرع أن ما غلظت مؤنته خفف عنه في قدر الزكاة ، وما خفت زيد فيه . وقيل : إنما جعل في الركاز الخمس ، لأنه مال كافر ، فنزل من وجده منزلة الغنائم ، فكان له أربعة أخماسه . وقال الزين بن المنير : كأن الركاز مأخوذ من أركزته في الأرض إذا غرزته فيها ، وأما المعدن فإنه ينبت في الأرض بغير وضع واضع . هذه حقيقتهما ، فإذا افترقا في أصلهما فكذلك في حكمهما .

قوله : ( العجماء جبار ) في رواية محمد بن زياد ، عن أبي هريرة : " العجماء عقلها جبار " ، وسيأتي في الديات مع الكلام عليه ، إن شاء الله تعالى ، وسميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم .

قوله : ( والمعدن جبار ) أي هدر ، وليس المراد أنه لا زكاة فيه ، وإنما المعنى أن من استأجر رجلا للعمل في معدن مثلا فهلك فهو هدر ، ولا شيء على من استأجره ، وسيأتي بسطه في الديات .

قوله : ( وفي الركاز الخمس ) قد تقدم ذكر الاختلاف في الركاز ، وأن الجمهور ذهبوا إلى أنه المال المدفون ، لكن حصره الشافعية فيمايوجد في الموات ، بخلاف ما إذا وجده في طريق مسلوك أو مسجد فهو لقطة ، وإذا وجده في أرض مملوكة فإن كان المالك الذي وجده فهو له ، وإن كان غيره فإن ادعاه المالك فهو له وإلا فهو لمن تلقاه عنه إلى أن ينتهي الحال إلى من أحيا تلك الأرض ، قال الشيخ تقي الدين بن [ ص: 428 ] دقيق العيد : من قال من الفقهاء بأن في الركاز الخمس إما مطلقا أو في أكثر الصور ، فهو أقرب إلى الحديث ، وخصه الشافعي أيضا بالذهب والفضة ، وقال الجمهور : لا يختص ، واختاره ابن المنذر . واختلفوا في مصرفه ، فقال مالك وأبو حنيفة والجمهور : مصرفه مصرف خمس الفيء ، وهو اختيار المزني . وقال الشافعي في أصح قوليه : مصرفه مصرف الزكاة . وعن أحمد روايتان . وينبني على ذلك ما إذا وجده ذمي ، فعند الجمهور يخرج منه الخمس ، وعند الشافعي لا يؤخذ منه شيء ، واتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول ، بل يجب إخراج الخمس في الحال . وأغرب ابن العربي في " شرح الترمذي " ، فحكى عن الشافعي الاشتراط ، ولا يعرف ذلك في شيء من كتبه ولا من كتب أصحابه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث