الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

1655 حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وسلم بمنى أتدرون أي يوم هذا قالوا الله ورسوله أعلم فقال فإن هذا يوم حرام أفتدرون أي بلد هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال بلد حرام أفتدرون أي شهر هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال شهر حرام قال فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا وقال هشام بن الغاز أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا وقال هذا يوم الحج الأكبر فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم اشهد وودع الناس فقالوا هذه حجة الوداع

التالي السابق


قوله : ( عن أبيه ) هو محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر فروايته عن جده .

قوله : ( أفتدرون ) في رواية الإسماعيلي ، عن القاسم المطرز ، عن محمد بن المثنى شيخ البخاري قال " أوتدرون " .

قوله : ( وقال هشام بن الغاز ) بالغين المعجمة وآخره زاي خفيفة ، وقد وصله ابن ماجه قال " حدثنا [ ص: 674 ] هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا هشام " وأخرجه الطبراني ، عن أحمد بن المعلى ، والإسماعيلي ، عن جعفر الفريابي كلاهما عن هشام بن عمار ، وعن جعفر الفريابي ، عن دحيم ، عن الوليد بن مسلم ، عن هشام بن الغاز ، ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود .

قوله : ( بين الجمرات ) بفتح الجيم والميم فيه تعيين البقعة التي وقف فيها ، كما أن في الرواية التي قبلها تعيين المكان ، كما أن في حديثي ابن عباس ، وأبي بكرة تعيين اليوم ، ووقع تعيين الوقت من اليوم في رواية رافع بن عمر ، والمزني عند أبي داود ، والنسائي ولفظه : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى . الحديث .

قوله : ( في الحجة التي حج ) هذا هو المعروف عند من ذكر أولا ، ووقع في رواية الكشميهني " في حجته التي حج " وللطبراني " في حجة الوداع " .

قوله : ( بهذا ) أي بالحديث الذي تقدم من طريق محمد بن زيد عن جده ، وأراد المصنف بذلك أصل الحديث وأصل معناه لكن السياق مختلف فإن في طريق محمد بن زيد أنهم أجابوا بقولهم " الله ورسوله أعلم " وفي هذا عند ابن ماجه وغيره في أجوبتهم قالوا : يوم النحر ، قالوا : بلد حرام ، قالوا : شهر حرام . ويجمع بينهما بنحو ما تقدم وهو أنهم أجابوا أولا بالتفويض فلما سكت أجابوا بالمطلوب . وأغرب الكرماني فقال : قوله " بهذا " أي وقف متلبسا بهذا الكلام .

قوله : ( وقال هذا يوم الحج الأكبر ) فيه دليل لمن يقول إن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر ، وسيأتي البحث فيه في أول تفسير سورة براءة إن شاء الله تعالى .

قوله : ( فطفق ) في رواية ابن ماجه وغيره بين قوله " يوم الحج الأكبر " وبين قوله " فطفق " من الزيادة : ودماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا اليوم . وقد وقع معنى ذلك في طريق محمد بن زيد أيضا .

قوله : ( فودع الناس ) وقع في طريق ضعيفة عند البيهقي من حديث ابن عمر سبب ذلك ولفظه : أنزلت إذا جاء نصر الله والفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق ، وعرف أنه الوداع ، فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب ، فوقف بالعقبة واجتمع الناس إليه فقال : يا أيها الناس . فذكر الحديث ، وفي هذه الأحاديث دلالة على مشروعية الخطبة يوم النحر ، وبه أخذ الشافعي ومن تبعه ، وخالف ذلك المالكية والحنفية قالوا : خطب الحج ثلاثة ، سابع ذي الحجة ، ويوم عرفة ، وثاني يوم النحر بمنى . ووافقهم الشافعي إلا أنه قال بدل ثاني النحر ثالثه لأنه أول النفر ، وزاد خطبة رابعة وهي يوم النحر وقال : إن بالناس حاجة إليها ليتعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف . وتعقبه الطحاوي بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج لأنه لم يذكر فيها شيئا من أمور الحج وإنما ذكر فيها وصايا عامة ، ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئا من الذي يتعلق بيوم النحر ، فعرفنا أنها لم تقصد لأجل الحج . وقال ابن القصار : إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا ، فظن الذي رآه أنه خطب ، قال : وأما ما ذكره الشافعي أن بالناس حاجة إلى [ ص: 675 ] تعليمهم أسباب التحلل المذكورة فليس بمتعين لأن الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم عرفة ا ه . وأجيب بأنه نبه صلى الله عليه وسلم في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر ، وعلى تعظيم شهر ذي الحجة ، وعلى تعظيم البلد الحرام ، وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة فلا يلتفت لتأويل غيرهم ، وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكر يوم عرفة يعكر عليه في كونه يرى مشروعية الخطبة ثاني يوم النحر ، وكان يمكن أن يعلموا ذلك يوم عرفة ، بل كان يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يأتي بعده من أعمال الحج ، لكن لما كان في كل يوم أعمال ليست في غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجديد الأسباب ، وقد بين الزهري - وهو عالم أهل زمانه - أن الخطبة ثاني يوم النحر نقلت من خطبة يوم النحر ، وأن ذلك من عمل الأمراء ، يعني من بني أمية . قال ابن أبي شيبة " حدثنا وكيع ، عن سفيان هو الثوري ، عن ابن جريج ، عن الزهري قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم النحر ، فشغل الأمراء فأخروه إلى الغد . وهذا وإن كان مرسلا لكنه يعتضد بما سبق ، وبان به أن السنة الخطبة يوم النحر لا ثانيه ، وأما قول الطحاوي إنه لم ينقل أنه علمهم شيئا من أسباب التحلل فلا ينفي وقوع ذلك أو شيئا منه في نفس الأمر ، بل قد ثبت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كما تقدم في الباب قبله أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم النحر ، وذكر فيه السؤال عن تقدم بعض المناسك على بعض ، فكيف ساغ للطحاوي هذا النفي المطلق مع روايته هو لحديث عبد الله بن عمرو ، وثبت أيضا في بعض طرق أحاديث الباب أنه صلى الله عليه وسلم قال للناس حينئذ : خذوا عني مناسككم . فكأنه وعظهم بما وعظهم به وأحال في تعليمهم على تلقي ذلك من أفعاله . ومما يرد به على تأويل الطحاوي ما أخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته بعرفات : أتدرون أي يوم هذا : الحديث ، ونحوه للطبراني في الكبير من حديث ابن عباس ، وأخرج أحمد من حديث نبيط بن شريط أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة على بعير أحمر يخطب " فسمعته يقول : أي يوم أحرم ؟ قالوا : هذا اليوم . قال فأي بلد أحرم . الحديث ، ونحوه لأحمد من حديث العداء بن خالد ، فهذا الحديث - الذي وقع في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم خطب به يوم النحر - قد ثبت أنه خطب به قبل ذلك يوم عرفة ، وأما الأحاديث التي وردت عن الصحابة بتصريحهم أنه صلى الله عليه وسلم خطب يوم النحر غير ما تقدم ، فمنها حديث الهرماس بن زياد أخرجه أبو داود ولفظه : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على ناقته الجدعاء يوم الأضحى : وحديث أبي أمامة : سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر . أخرجه عبد الرحمن ، وحديث معاذ : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى . أخرجه [1] وحديث رافع بن عمرو : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى . أخرجه [2] وأخرج من مرسل مسروق : أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم النحر . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث