الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب السفر قطعة من العذاب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب السفر قطعة من العذاب

1710 حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله [ ص: 729 ]

التالي السابق


[ ص: 729 ] قوله : ( باب السفر قطعة من العذاب ) قال ابن المنير : أشار البخاري بإيراد هذه الترجمة في أواخر أبواب الحج والعمرة أن الإقامة في الأهل أفضل من المجاهدة . انتهى . وفيه نظر لا يخفى ، لكن يحتمل أن يكون المصنف أشار بإيراده في الحج إلى حديث عائشة بلفظ : إذا قضى أحدكم حجه فليعجل إلى أهله . وسيأتي بيان من أخرجه .

قوله : ( عن سمي ) كذا لأكثر الرواة عن مالك ، وكذا هو في الموطأ ، وصرح يحيى بن يحيى النيسابوري ، عن مالك بتحديث سمي له به ، وشذ خالد بن مخلد ، عن مالك فقال " عن سهيل " بدل سمي أخرجه ابن عدي ، وذكر الدارقطني أن ابن الماجشون رواه عن مالك ، عن سهيل أيضا فتابع خالد بن مخلد ، لكن قال الدارقطني : إن أبا علقمة القروي تفرد به عن ابن الماجشون وأنه وهم فيه . ورواه الطبراني ، عن أحمد ، عن بشير الطيالسي ، عن محمد بن جعفر الوركاني ، عن مالك ، عن سهيل ، وخالفه موسى بن هارون فرواه عن الوركاني ، عن مالك ، عن سمي ، قال الدارقطني حدثنا به دعلج ، عن موسى ، قال : والوهم في هذا من الطبراني أو من شيخه ، وسمي هو المحفوظ في رواية مالك قاله ابن عدي ، وأخرجه الدارقطني وغيرهما ولم يروه عن سمي غير مالك قاله ابن عبد البر ، ثم أسند عن عبد الملك بن الماجشون قال : قال مالك : ما لأهل العراق يسألونني عن حديث : السفر قطعة من العذاب . ؟ فقيل له لم يروه عن سمي أحد غيرك ، فقال : لو عرفت ما حدثت به ، وكان مالك ربما أرسله لذلك ، ورواه عتيق بن يعقوب ، عن مالك ، عن أبي النضر ، عن أبي صالح ، ووهم فيه أيضا على مالك أخرجه الطبراني ، والدارقطني ، ورواه رواد بن الجراح ، عن مالك فزاد فيه إسنادا آخر فقال عن ربيعة ، عن القاسم ، عن عائشة ، وعن سمي بإسناده فذكره ، قال الدارقطني أخطأ فيه رواد بن الجراح ، وأخرجه ابن عبد البر من طريق أبي مصعب ، عن عبد العزيز الدراوردي ، عن سهيل عن أبيه ، وهذا يدل على أن له في حديث سهيل أصلا وأن سميا لم ينفرد به ، وقد أخرجه أحمد في مسنده من طريق سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، وأخرجه ابن عدي من طريق جمهان ، عن أبي هريرة أيضا فلم ينفرد به أبو صالح ، وأخرجه الدارقطني ، والحاكم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بإسناد جيد فلم ينفرد به أبو هريرة ، بل في الباب عن ابن عباس ، وابن عمر ، وأبي سعيد ، وجابر عند ابن عدي بأسانيد ضعيفة .

قوله : ( السفر قطعة من العذاب ) أي جزء منه ، والمراد بالعذاب الألم الناشئ عن المشقة لما يحصل في الركوب والمشي من ترك المألوف .

قوله : ( يمنع أحدكم ) كأنه فصله عما قبله بيانا لذلك بطريق الاستئناف كالجواب لمن قال كان كذلك فقال : يمنع أحدكم نومه إلخ ، أي وجه التشبيه الاشتمال على المشقة ، وقد ورد التعليل في رواية سعيد المقبري ولفظه : السفر قطعة من العذاب ، لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه " فذكر الحديث ، والمراد بالمنع في الأشياء المذكورة منع كمالها لا أصلها ، وقد وقع عند الطبراني بلفظ : لا يهنأ أحدكم بنومه ولا طعامه ولا شرابه . وفي حديث ابن عمر عند ابن عدي : وأنه ليس له دواء إلا سرعة السير .

قوله : ( نهمته ) بفتح النون وسكون الهاء أي حاجته من وجهه أي من مقصده وبيانه في حديث ابن عدي بلفظ : إذا قضى أحدكم وطره من سفره . وفي رواية رواد بن الجراح " فإذا فرغ أحدكم من حاجته " .

[ ص: 730 ] قوله : ( فليعجل إلى أهله ) في رواية عتيق ، وسعيد المقبري " فليعجل الرجوع إلى أهله " وفي رواية أبي مصعب " فليعجل الكرة إلى أهله " وفي حديث عائشة " فليعجل الرحلة إلى أهله " فإنه أعظم لأجره " قال ابن عبد البر : زاد فيه بعض الضعفاء عن مالك : وليتخذ لأهله هدية وإن لم يجد إلا حجرا . يعني حجر الزناد ، قال : وهي زيادة منكرة .

وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة ، واستحباب استعجال الرجوع ولا سيما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة ، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا ، ولما في الإقامة من تحصيل الجماعات والقوة على العبادة . قال ابن بطال : ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث ابن عمر مرفوعا : سافروا تصحوا . فإنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة أن لا يكون قطعة من العذاب لما فيه من المشقة ، فصار كالدواء المر المعقب للصحة وإن كان في تناوله الكراهة ، واستنبط منه الخطابي تغريب الزاني لأنه قد أمر بتعذيبه - والسفر من جملة العذاب - ولا يخفى ما فيه .

( لطيفة ) : سئل إمام الحرمين حين جلس موضع أبيه : لم كان السفر قطعة من العذاب ؟ فأجاب على الفور : لأن فيه فراق الأحباب .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث