الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يجوز من شروط المكاتب

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطا ليس في كتاب الله فيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم

2422 حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا قالت لها عائشة ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا وقالوا إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتاعي فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق قال ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة مرة شرط الله أحق وأوثق [ ص: 218 ]

التالي السابق


[ ص: 218 ] بسم الله الرحمن الرحيم .

كتاب المكاتب

قوله : ( باب في المكاتب ) كذا لأبي ذر ، ولغيره " كتاب المكاتب " ؛ وأثبتوا كلهم البسملة . والمكاتب بالفتح من تقع له الكتابة وبالكسر من تقع منه ، وكاف الكتابة تكسر وتفتح كعين العتاقة ، قال الراغب : اشتقاقها من كتب بمعنى أوجب ، ومنه قوله تعالى : كتب عليكم الصيام - إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أو بمعنى جمع وضم ، ومنه كتبت الخط ، وعلى الأول تكون مأخوذة من معنى الالتزام ، وعلى الثاني تكون مأخوذة من الخط لوجوده عند عقدها غالبا .

قال الروياني : الكتابة إسلامية ولم تكن تعرف في الجاهلية ، كذا قال وكلام غيره يأباه ، ومنه قول ابن التين : كانت الكتابة متعارفة قبل الإسلام فأقرها النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقال ابن خزيمة في كلامه على حديث بريرة : قيل إن بريرة أول مكاتبة في الإسلام ، وقد كانوا يكاتبون في الجاهلية بالمدينة ، وأول من كوتب من الرجال في الإسلام سلمان ، وقد تقدم ذكر ذلك في البيوع في " باب البيع والشراء مع المشركين " .

وحكى ابن التين أن أول من كوتب أبو المؤمل ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أعينوه ، وأول من كوتب من النساء بريرة كما سيأتي حديثها في هذه الأبواب ، وأول من كوتب بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو أمية مولى عمر ، ثم سيرين مولى أنس . واختلف في تعريف الكتابة ، وأحسنه : تعليق عتق بصفة على معاوضة مخصوصة . والكتابة خارجة عن القياس عند من يقول إن العبد لا يملك ، وهي لازمة من جهة السيد إلا إن عجز العبد ، وجائزة له على الراجح من أقوال العلماء فيها .

باب إثم من قذف مملوكه . قوله : ( باب إثم من قذف مملوكه ) كذا للجميع هنا إلا النسفي و أبا ذر ، ولم يذكر من أثبت هذه الترجمة فيها حديثا ، ولا أعرف لدخولها في أبواب المكاتب معنى . ثم وجدتها في رواية أبي علي بن شبويه مقدمة قبل كتاب المكاتب فهذا هو المتجه ، وعلى هذا فكان المصنف ترجم بها وأخلى بياضا ليكتب فيها الحديث الوارد في ذلك فلم يكتب كما وقع له في غيرها . وقد ترجم في كتاب الحدود " باب قذف العبد " أورد فيه حديث " من قذف مملوكه - وهو بريء مما قال - جلد يوم القيامة " الحديث ، فلعله أشار بذلك إلى أنه يدخل في هذه الأبواب . [ ص: 219 ] قوله : ( باب المكاتب ونجومه ) في كل سنة نجم ، وقوله تعالى : والذين يبتغون الكتاب الآية ساقوها إلى قوله : الذي آتاكم إلا النسفي فقال بعد قوله في كل سنة وآتوهم من مال الله الذي آتاكم . ونجم الكتابة هو القدر المعين الذي يؤديه المكاتب في وقت معين ، وأصله أن العرب كانوا يبنون أمورهم في المعاملة على طلوع النجم والمنازل لكونهم لا يعرفون الحساب فيقول أحدهم : إذا طلع النجم الفلاني أديت حقك ، فسميت الأوقات نجوما بذلك ، ثم سمي المؤدى في الوقت نجما .

وعرف من الترجمة اشتراط التأجيل في الكتابة ، وهو قول الشافعي وقوفا مع التسمية بناء على أن الكتابة مشتقة من الضم ، وهو ضم بعض النجوم إلى بعض ، وأقل ما يحصل به الضم نجمان ، وبأنه أمكن لتحصيل القدرة على الأداء . وذهب المالكية والحنفية إلى جواز الكتابة الحالة ، واختاره بعض الشافعية كالروياني . وقال ابن التين : لا نص لمالك في ذلك إلا أن محققي أصحابه شبهوه ببيع العبد من نفسه ، واختار بعض أصحاب مالك أن لا يكون أقل من نجمين كقول الشافعي ، واحتج الطحاوي وغيره بأن التأجيل جعل رفقا بالمكاتب لا بالسيد ، فإذا قدر العبد على [ ص: 220 ] ذلك لا يمنع منه وهذا قول الليث ، وبأن سلمان كاتب - بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكر تأجيلا ، وقد تقدم ذكر خبره ، وبأن عجز المكاتب عن القدر الحال لا يمنع صحة الكتابة كالبيع في المجلس ، كمن اشترى ما يساوي درهما بعشرة دراهم حالة وهو لا يقدر حينئذ إلا على درهم نفذ البيع مع عجزه عن أكثر الثمن ، وبأن الشافعية أجازوا السلم الحال ولم يقفوا مع التسمية مع أنها مشعرة بالتأجيل .

وأما قول المصنف : " في كل سنة نجم " فأخذه من صورة الخبر الوارد في قصة بريرة كما سيأتي التصريح به بعد باب ، ولم يرد المصنف أن ذلك شرط فيه ، فإن العلماء اتفقوا على أنه لو وقع التنجيم بالأشهر جاز ، ولم يثبت لفظ نجم في آخره في رواية النسفي ، واختلف في المراد بالخير في قوله : إن علمتم فيهم خيرا كما سيأتي بعد بابين ، وروى ابن إسحاق عن خاله عبد الله بن صبيح بفتح المهملة عن أبيه قال : " كنت مملوكا لحويطب بن عبد العزى ، فسألته الكتابة فأبى ، فنزلت : والذين يبتغون الكتاب الآية " أخرجه ابن السكن وغيره في ترجمة صبيح في الصحابة .

قوله : ( وقال روح عن ابن جريج : قلت لعطاء : أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه ، قال : ما أراه إلا واجبا ) وصله إسماعيل القاضي في " أحكام القرآن " قال : " حدثنا علي بن المديني حدثنا روح بن عبادة بهذا " ، وكذلك أخرجه عبد الرزاق والشافعي من وجهين آخرين عن ابن جريج .

قوله : ( وقال عمرو بن دينار قلت لعطاء أتأثره عن أحد ؟ قال : لا ) هكذا وقع في جميع النسخ التي وقعت لنا عن الفربري ، وهو ظاهر في هذا الأثر من رواية عمرو بن دينار عن عطاء ، وليس كذلك بل وقع في الرواية تحريف لزم منه الخطأ ، والذي وقع في رواية إسماعيل المذكورة " وقاله لي أيضا عمرو بن دينار " والضمير يعود على القول بوجوبها ، وقائل ذلك هو ابن جريج وهو فاعل " قلت لعطاء " وقد صرح بذلك في رواية إسماعيل حيث قال فيها بالسند المذكور " قال ابن جريج وأخبرني عطاء " وكذلك أخرجه عبد الرزاق والشافعي - ومن طريقه البيهقي - عن عبد الله بن الحارث كلاهما عن ابن جريج وقالا فيه : " وقالها عمرو بن دينار " والحاصل أن ابن جريج نقل عن عطاء التردد في الوجوب وعن عمرو بن دينار الجزم به أو موافقة عطاء . ثم وجدته في الأصل المعتمد من رواية النسفي عن البخاري على الصواب بزيادة الهاء في قوله وقال عمرو بن دينار ولفظه " وقاله عمرو بن دينار " أي القول المذكور .

قوله : ( ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسا المكاتبة وكان كثير المال ) القائل " ثم أخبرني " هو ابن جريج أيضا ، ومخبره هو عطاء ، ووقع مبينا كذلك في رواية إسماعيل المذكورة ولفظه " قال ابن جريج وأخبرني عطاء أن موسى بن أنس بن مالك أخبره أن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل . . " فذكره ، ووقع في رواية عبد الرزاق عن ابن جريج " أخبرني مخبر أن موسى بن أنس أخبره " وقد عرف اسم المخبر من رواية روح ، وظاهر سياقه الإرسال فإن موسى لم يذكر وقت سؤال سيرين من أنس الكتابة ، وقد رواه عبد الرزاق والطبري من وجه آخر متصلا من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال : " أرادني سيرين على المكاتبة فأبيت ، فأتى عمر بن الخطاب " فذكر نحوه . وسيرين المذكور يكنى أبا عمرة ، وهو والد محمد بن سيرين الفقيه المشهور وإخوته ، وكان من سبي عين التمر اشتراه أنس في خلافة أبي بكر ، وروى هو عن عمر وغيره ، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين .

[ ص: 221 ] قوله : ( فانطلق إلى عمر ) زاد إسماعيل بن إسحاق في روايته " فاستعداه عليه " وزاد في آخر القصة " وكاتبه أنس " وروى ابن سعد من طريق محمد بن سيرين قال : " كاتب أنس أبي على أربعين ألف درهم " وروى البيهقي من طريق أنس بن سيرين عن أبيه قال : " كاتبني أنس على عشرين ألف درهم " فإن كانا محفوظين جمع بينهما بحمل أحدهما على الوزن والآخر على العدد ، ولابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس قال : " هذه مكاتبة أنس عندنا : هذا ما كاتب أنس غلامه سيرين : كاتبه على كذا وكذا ألف وعلى غلامين يعملان مثل عمله " واستدل بفعل عمر على أنه كان يرى بوجوب الكتابة إذا سألها العبد ، لأن عمر لما ضرب أنسا على الامتناع دل على ذلك ، وليس ذلك بلازم لاحتمال أنه أدبه على ترك المندوب المؤكد ، وكذلك ما رواه عبد الرزاق : " أن عثمان قال لمن سأله الكتابة : لولا آية من كتاب الله ما فعلت " فلا يدل أيضا على أنه كان يرى الوجوب .

ونقل ابن حزم القول بوجوبها عن مسروق والضحاك ، زاد القرطبي : وعكرمة . وعن إسحاق ابن راهويه أن مكاتبته واجبة إذا طلبها ، ولكن لا يجبر الحاكم السيد على ذلك . وللشافعي قول بالوجوب ، وبه قال الظاهرية ، واختاره ابن جرير الطبري . قال ابن القصار : إنما علا عمر أنسا بالدرة على وجه النصح لأنس ، ولو كانت الكتابة لزمت أنسا ما أبى ، وإنما ندبه عمر إلى الأفضل . وقال القرطبي : لما ثبت أن رقبة العبد وكسبه ملك لسيده دل على أن الأمر بكتابته غير واجب ، لأن قوله : " خذ كسبي وأعتقني " يصير بمنزلة قوله أعتقني بلا شيء وذلك غير واجب اتفاقا ومحل الوجوب عند من قال به إن كان العبد قادرا على ذلك ورضي السيد بالقدر الذي تقع به المكاتبة . وقال أبو سعيد الإصطخري : القرينة الصارفة للأمر في هذا عن الوجوب الشرط في قوله : إن علمتم فيهم خيرا فإنه وكل الاجتهاد في ذلك إلى المولى ، ومقتضاه أنه إذا رأى عدمه لم يجبر عليه ، فدل على أنه غير واجب . وقال غيره : الكتابة عقد غرر ، وكان الأصل أن لا تجوز ، فلما وقع الإذن فيها كان أمرا بعد منع والأمر بعد المنع للإباحة ، ولا يرد على هذا كونها مستحبة لأن استحبابها ثبت بأدلة أخرى ،

ثم أورد المصنف قصة بريرة من عدة طرق في جميع أبواب الكتابة ، فأورد في هذه الترجمة طريق الليث عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة تعليقا ، ووصله الذهلي في " الزهريات " عن أبي صالح كاتب الليث عن الليث ، والمحفوظ رواية الليث له عن ابن شهاب نفسه بغير واسطة ، وسيأتي في الباب الذي يليه عن قتيبة عن الليث ، وأخرجه مسلم أيضا عن قتيبة ، وكذلك أخرجه النسائي والطحاوي وغيرهما من طريق ابن وهب عن رجال من أهل العلم منهم يونس والليث كلهم عن ابن شهاب ، وهذا هـو المحفوظ أن يونس رفيق الليث فيه لا شيخه ، ووقع التصريح بسماع الليث له من ابن شهاب عن أبي عوانة من طريق مروان بن محمد ، وعند النسائي من طريق ابن وهب كلاهما عن الليث . وقد وقع في هذه الرواية المعلقة أيضا مخالفة للروايات المشهورة في موضع فيه نظر وهو قوله في المتن " وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين " والمشهور ما في رواية هشام بن عروة الآتية بعد بابين عن أبيه " أنها كاتبت على تسع أواق في كل عام أوقية " وكذا في رواية ابن وهب عن يونس عند مسلم ، وقد جزم الإسماعيلي بأن الرواية المعلقة غلط ، ويمكن الجمع بأن التسع أصل والخمس كانت بقيت عليها ، وبهذا جزم القرطبي والمحب الطبري ، ويعكر عليه قوله في رواية قتيبة " ولم تكن أدت من كتابتها شيئا " ويجاب بأنها كانت حصلت الأربع أواق قبل أن تستعين عائشة ، ثم جاءتها وقد بقي عليها خمس .

وقال القرطبي : [ ص: 222 ] يجاب بأن الخمس هي التي كانت استحقت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة في حديث هشام ، ويؤيده قوله في رواية عمرة عن عائشة الماضية في أبواب المساجد " فقال أهلها : إن شئت أعطيت ما يبقى " وذكر الإسماعيلي أنه رأى في الأصل المسموع على الفربري في هذه الطريق أنها كاتبت على خمسة أوساق وقال : إن كان مضبوطا فهو يدفع سائر الأخبار .

قلت : لم يقع في شيء من النسخ المعتمدة التي وقفنا عليها إلا الأواقي ، وكذا في نسخة النسفي عن البخاري ، وكان يمكن على تقدير صحته أن يجمع بأن قيمة الأوساق الخمسة تسع أواق ، لكن يعكر عليه قوله : " في خمس سنين " فيتعين المصير إلى الجمع الأول . وقوله في هذه الرواية " فقالت عائشة ونفست فيها " هو بكسر الفاء جملة حالية أي رغبت .

قوله : ( باب ما يجوز من شروط المكاتب ، ومن اشترط شرطا ليس في كتاب الله ) جمع في هذه الترجمة بين حكمين ، وكأنه فسر الأول بالثاني ، وأن ضابط الجواز ما كان في كتاب الله ، وسيأتي في الشروط أن المراد بما ليس في كتاب الله ما خالف كتاب الله ، وقال ابن بطال : المراد بكتاب الله هنا حكمه من كتابه أو سنة رسوله أو إجماع الأمة ، وقال ابن خزيمة : ليس في كتاب الله أي ليس في حكم الله جوازه أو وجوبه ، لا أن كل من شرط شرطا لم ينطق به الكتاب يبطل ، لأنه قد يشترط في البيع الكفيل فلا يبطل الشرط ، ويشترط في الثمن شروط من أوصافه أو من نجومه ونحو ذلك فلا يبطل ، وقال النووي : قال العلماء : الشروط في البيع أقسام ، أحدها يقتضيه إطلاق العقد كشرط تسليمه ، الثاني شرط فيه مصلحة كالرهن وهما جائزان اتفاقا ، الثالث اشتراط العتق في العبد وهو جائز عند الجمهور لحديث عائشة وقصة بريرة ، الرابع ما يزيد على [ ص: 223 ] مقتضى العقد ولا مصلحة فيه للمشتري كاستثناء منفعته فهو باطل .

وقال القرطبي : قوله : " ليس في كتاب الله " أي ليس مشروعا في كتاب الله تأصيلا ولا تفصيلا ، ومعنى هذا أن من الأحكام ما يؤخذ تفصيله من كتاب الله كالوضوء ، ومنها ما يؤخذ تأصيله دون تفصيله كالصلاة ، ومنها ما أصل أصله كدلالة الكتاب على أصلية السنة والإجماع وكذلك القياس الصحيح ، فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلا فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلا .

قوله : ( فيه عن ابن عمر ) كذا لأبي ذر ، ولغيره " فيه ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " وكأنه أشار بذلك إلى حديث ابن عمر الآتي في الباب الذي يليه ، وقد مضى بلفظ الاشتراط في " باب البيع والشراء مع النساء " من كتاب البيوع .

قوله : ( إن بريرة ) هي بفتح الموحدة بوزن فعيلة ، مشتقة من البرير وهو ثمر الأراك . وقيل إنها فعيلة من البر بمعنى مفعولة كمبرورة ، أو بمعنى فاعلة كرحيمة ، هكذا وجهه القرطبي . والأول أولى لأنه - صلى الله عليه وسلم - غير اسم جويرية وكان اسمها برة وقال : لا تزكوا أنفسكم فلو كانت بريرة من البر لشاركتها في ذلك . وكانت بريرة لناس من الأنصار كما وقع عند أبي نعيم ، وقيل لناس من بني هلال قاله ابن عبد البر ، ويمكن الجمع . وكانت تخدم عائشة قبل أن تعتق كما سيأتي في حديث الإفك ، وعاشت إلى خلافة معاوية ، وتفرست في عبد الملك بن مروان أنه يلي الخلافة فبشرته بذلك وروى هو ذلك عنها .

قوله : ( فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت ) كذا في هذه الرواية ، وهي نظير رواية مالك عن هشام بن عروة الآتية في الشروط بلفظ " إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت " وظاهره أن عائشة طلبت أن يكون الولاء لها إذا بذلت جميع مال المكاتبة . ولم يقع ذلك إذ لو وقع ذلك لكان اللوم على عائشة بطلبها ولاء من أعتقها غيرها . وقد رواه أبو أسامة عن هشام بلفظ يزيل الإشكال فقال بعد قوله : " أن أعدها لهم عدة واحدة وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلت " .

وكذلك رواه وهيب عن هشام ، فعرف بذلك أنها أرادت أن تشتريها شراء صحيحا ثم تعتقها إذ العتق فرع ثبوت الملك ، ويؤيده قوله في بقية حديث الزهري في هذا الباب فقال - صلى الله عليه وسلم - : ابتاعي فأعتقي وهو يفسر قوله في رواية مالك عن هشام " خذيها " ويوضح ذلك أيضا قوله في طريق أيمن الآتية " دخلت على بريرة وهي مكاتبة فقالت : اشتريني وأعتقيني ، قالت : نعم " وقوله في حديث ابن عمر " أرادت عائشة أن تشتري جارية فتعتقها " وبهذا يتجه الإنكار على موالي بريرة ؛ إذ وافقوا عائشة على بيعها ثم أرادوا أن يشترطوا أن يكون الولاء لهم ، ويؤيده قوله في رواية أيمن المذكورة " قالت : لا تبيعوني حتى تشترطوا ولائي " وفي رواية الأسود الآتية في الفرائض عن عائشة " اشتريت بريرة لأعتقها ، فاشترط أهلها ولاءها " وسيأتي قريبا في الهبة من طريق القاسم عن عائشة " أنها أرادت أن تشتري بريرة وأنهم اشترطوا ولاءها " .

قوله : ( ارجعي إلى أهلك ) المراد بالأهل هنا السادة ، والأهل في الأصل الآل ، وفي الشرع من تلزم نفقته على الأصح عند الشافعية .

[ ص: 224 ] قوله : ( إن شاءت أن تحتسب ) هو من الحسبة بكسر المهملة أي تحتسب الأجر عند الله ولا يكون لها ولاء .

قوله : ( فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ) في رواية هشام " فسمع بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألني فأخبرته " وفي رواية مالك عن هشام " فجاءت من عندهم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس فقالت : إني عرضت عليهم فأبوا ، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - " وفي رواية أيمن الآتية " فسمع بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بلغه " زاد في الشروط من هذا الوجه فقال : " ما شأن بريرة " ولمسلم من رواية أبي أسامة ، ولابن خزيمة من رواية حماد بن سلمة كلاهما عن هشام " فجاءتني بريرة والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس فقالت لي فيما بيني وبينها : ما أراد أهلها ، فقلت : لا هالله إذا ، ورفعت صوتي وانتهرتها ، فسمع ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألني فأخبرته " لفظ ابن خزيمة .

قوله : ( ابتاعي فأعتقي ) هو كقوله في حديث ابن عمر : " لا يمنعك ذلك " وليس في ذلك شيء من الإشكال الذي وقع في رواية هشام الآتية في الباب الذي يليه .

قوله : ( وإن شرط ) في رواية أبي ذر " وإن اشترط " .

قوله : ( مائة مرة ) في رواية المستملي " مائة شرط " وكذا هـو في رواية هشام وأيمن ، قال النووي : معنى قوله : " ولو اشترط مائة شرط " أنه لو شرط مائة مرة توكيدا فهو باطل ، ويؤيده قوله في الرواية الأخيرة : " إن شرط مائة مرة " وإنما حمله على التأكيد لأن العموم في قوله : " كل شرط " وفي قوله : " من اشترط شرطا " دال على بطلان جميع الشروط المذكورة فلا حاجة إلى تقييدها بالمائة فإنها لو زادت عليها كان الحكم كذلك لما دلت عليها الصيغة . نعم الطريق الأخيرة من رواية أيمن عن عائشة بلفظ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الولاء لمن أعتق وإن اشترطوا مائة شرط وإن احتمل التأكيد لكنه ظاهر في أن المراد به التعدد ، وذكر المائة على سبيل المبالغة والله أعلم . وقال القرطبي : قوله : " ولو كان مائة شرط " خرج مخرج التكثير ، يعني أن الشروط الغير المشروعة باطلة ولو كثرت ، ويستفاد منه أن الشروط المشروعة صحيحة وسيأتي التنصيص على ذلك في كتاب الشروط إن شاء الله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث