الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        3223 حدثني إسحاق بن إبراهيم حدثنا روح بن عبادة حدثنا عوف عن الحسن ومحمد وخلاس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة وإما آفة وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا فذلك قوله يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        ثانيها حديثه " أن موسى كان رجلا حييا " بفتح المهملة وكسر التحتانية الخفيفة بعدها أخرى مثقلة بوزن فعيل من الحياء وقوله : " ستيرا " بوزنه من الستر ، ويقال ستيرا بالتشديد .

                                                                                                                                                                                                        قوله في الإسناد ( حدثنا عوف ) هو الأعرابي .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( عن الحسن ومحمد وخلاس ) أما الحسن فهو البصري وأما محمد فهو ابن سيرين ، وسماعه من أبي هريرة ثابت ، فقد أخرج أحمد هذا الحديث عن روح عن عوف عن محمد وحده عن أبي هريرة . وأما خلاس فبكسر المعجمة وتخفيف اللام وآخره مهملة هو ابن عمر بصري ، يقال إنه كان على شرطة علي ، وحديثه عنه في الترمذي والنسائي ، وجزم يحيى القطان بأن روايته عنه من صحيفته . وقال أبو داود عن أحمد : لم يسمع خلاس من أبي هريرة . وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة كان يحيى القطان يقول : روايته عن علي من كتاب ، وقد سمع من عمار وعائشة وابن عباس قلت : إذا ثبت سماعه من عمار وكان على شرطة علي كيف يمتنع سماعه من علي ؟ وقال أبو حاتم : يقال وقعت عنده صحيفة عن علي ، وليس بقوي ، يعني في علي . وقال صالح بن أحمد عن أبيه : كان يحيى القطان يتوقى أن يحدث عن خلاس عن علي خاصة . وأطلق بقية الأئمة توثيقه . قلت : وما له في البخاري سوى هذا الحديث ، وقد أخرجه له مقرونا بغيره ، وأعاده سندا ومتنا في تفسير الأحزاب . وله عنه حديث آخر أخرجه في الأيمان والنذور مقرونا أيضا بمحمد بن سيرين عن أبي هريرة ، ووهم المزي فنسبه إلى الصوم . وأما الحسن البصري فلم يسمع من أبي هريرة عند الحفاظ النقاد ، وما وقع في بعض الروايات مما يخالف ذلك فهو محكوم بوهمه عندهم ، وما له في البخاري عن أبي هريرة سوى هذا مقرونا . وله حديث آخر في بدء الخلق مقرونا بابن سيرين ، وثالث ذكره في أوائل الكتاب في الإيمان مقرونا بابن سيرين أيضا .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( لا يرى من جلده شيء استحياء منه ) هذا يشعر بأن اغتسال بني إسرائيل عراة بمحضر منهم كان جائزا في شرعهم . وإنما اغتسل موسى وحده استحياء .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وإما أدرة ) بضم الهمزة وسكون الدال على المشهور وبفتحتين أيضا فيما حكاه الطحاوي عن بعض مشايخه ورجح الأول وتقدم بيانه في كتاب الغسل ، ووقع في رواية ابن مردويه من طريق عثمان بن الهيثم عن عوف الجزم بأنهم قالوا إنه آدر .

                                                                                                                                                                                                        [ ص: 504 ] قوله : ( فخلا يوما وحده فوضع ثيابه ) في رواية الكشميهني ثيابا أي ثيابا له ، والأول هو المعروف ، وظاهره أنه دخل الماء عريانا . وعليه بوب المصنف في الغسل " من اغتسل عريانا " وقد قدمت توجيهه في كتاب الغسل ، ونقل ابن الجوزي عن الحسن بن أبي بكر النيسابوري أن موسى نزل إلى الماء مؤتزرا ، فلما خرج تتبع الحجر والمئزر مبتل بالماء علموا عند رؤيته أنه غير آدر ، لأن الأدرة تبين تحت الثوب المبلول بالماء انتهى . وهذا إن كان هذا الرجل قاله احتمالا فيحتمل لكن المنقول يخالفه ، لأن في رواية علي بن زيد عن أنس عند أحمد في هذا الحديث " أن موسى كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يواري عورته في الماء " .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( عدا بثوبه ) بالعين المهملة أي مضى مسرعا .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( ثوبي حجر ، ثوبي حجر ) هو بفتح الياء الأخيرة من ثوبي أي أعطني ثوبي ، أو رد ثوبي ، وحجر بالضم على حذف حرف النداء ، وتقدم في الغسل بلفظ ثوبي يا حجر .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وأبرأه مما يقولون ) في رواية قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عند ابن مردويه وابن خزيمة " وأعدله صورة ، وفي روايته فقالت بنو إسرائيل قاتل الله الأفاكين وكانت براءته وفي رواية روح بن عبادة المذكورة فرأوه كأحسن الرجال خلقا ، فبرأه مما قالوا .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وقام حجر فأخذ بثوبه ) قلت كذا فيه ، وفي " مسند إسحاق بن إبراهيم " شيخ البخاري فيه " وقام الحجر " بالألف واللام ، وكذا أخرجه أبو نعيم وابن مردويه من طريقه .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( فوالله إن بالحجر لندبا ) ظاهره أنه بقية الحديث ، بين في رواية همام في الغسل أنه قول أبي هريرة .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( ثلاثا أو أربعا أو خمسا ) في رواية همام المذكور " ستة أو سبعة " ووقع عند ابن مردويه من رواية حبيب بن سالم عن أبي هريرة الجزم بست ضربات .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( فذلك قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ) لم يقع هذا في رواية همام ، وروى ابن مردويه من طريق عكرمة عن أبي هريرة قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى الآية ، قال : إن بني إسرائيل كانوا يقولون : إن موسى آدر ، فانطلق موسى إلى النهر يغتسل فذكر نحوه وفي رواية علي بن زيد المذكورة قريبا في آخره " فرأوه ليس كما قالوا ; فأنزل تعالى : لا تكونوا كالذين آذوا موسى وفي الحديث جواز المشي عريانا للضرورة ، وقال ابن الجوزي : لما كان موسى في خلوة وخرج من الماء فلم يجد ثوبه تبع الحجر بناء على أن لا يصادف أحدا وهو عريان ، فاتفق أنه كان هناك قوم فاجتاز بهم ، كما أن جوانب الأنهار وإن خلت غالبا لا يؤمن وجود قوم قريبا منها ، فبنى الأمر على أنه لا يراه أحد لأجل خلاء المكان ، فاتفق رؤية من رآه . والذي يظهر أنه استمر يتبع الحجر على ما في الخبر حتى وقف على مجلس لبني إسرائيل كان فيهم من قال فيه ما قال . وبهذا تظهر الفائدة ، وإلا فلو كان الوقوف على قوم منهم في الجملة لم يقع ذلك الموقع . وفيه جواز النظر [ ص: 505 ] إلى العورة عند الضرورة الداعية لذلك من مداواة أو براءة من عيب ، كما لو ادعى أحد الزوجين على الآخر البرص ليفسخ النكاح فأنكر . وفيه أن الأنبياء في خلقهم وخلقهم على غاية الكمال ، وأن من نسب نبيا من الأنبياء إلى نقص في خلقته فقد آذاه ويخشى على فاعله الكفر . وفيه معجزة ظاهرة لموسى عليه السلام ، وأن الآدمي يغلب عليه طباع البشر ، لأن موسى علم أن الحجر ما سار بثوبه إلا بأمر من الله ، ومع ذلك عامله معاملة من يعقل حتى ضربه . ويحتمل أنه أراد بيان معجزة أخرى لقومه بتأثير الضرب بالعصا في الحجر . وفيه ما كان في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الصبر على الجهال واحتمال أذاهم ، وجعل الله تعالى العاقبة لهم على من آذاهم ، وقد روى أحمد بن منيع في مسنده بإسناد حسن والطحاوي وابن مردويه من حديث علي أن الآية المذكورة نزلت في طعن بني إسرائيل على موسى بسبب هارون لأنه توجه معه إلى زيارة فمات هارون فدفنه موسى ، فطعن فيه بعض بني إسرائيل ، وقالوا : أنت قتلته ، فبرأه الله تعالى بأن رفع لهم جسد هارون وهو ميت فخاطبهم بأنه مات . وفي الإسناد ضعف . ولو ثبت لم يكن فيه ما يمنع أن يكون في الفريقين معا لصدق أن كلا منهما آذى موسى فبرأه الله مما قالوا والله أعلم .




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية