الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا

4290 حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر قال حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال لا تغبروا علينا فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي ابن سلول أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجلسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه فقال عبد الله بن رواحة بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب يريد عبد الله بن أبي قال كذا وكذا قال سعد بن عبادة يا رسول الله اعف عنه واصفح عنه فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك لقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك فذلك فعل به ما رأيت فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى قال الله عز وجل ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا الآية وقال الله ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم إلى آخر الآية وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا فقتل الله به صناديد كفار قريش قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان هذا أمر قد توجه فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام فأسلموا [ ص: 79 ]

التالي السابق


[ ص: 79 ] قوله : ( باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنها نزلت في كعب بن الأشرف فيما كان يهجو به النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من الشعر ، وقد تقدم في المغازي خبره ، وفيه شرح حديث " من لكعب بن الأشرف ، فإنه آذى الله ورسوله " وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر بإسناد حسن عن ابن عباس أنها نزلت فيما كان بين أبي بكر وبين فنحاص اليهودي في قوله تعالى إن الله فقير ونحن أغنياء تعالى الله عن قوله ، فغضب أبو بكر فنزلت .

قوله : ( على قطيفة فدكية ) أي كساء غليظ منسوب إلى فدك بفتح الفاء والدال ، وهي بلد مشهور على مرحلتين من المدينة .

قوله : ( يعود سعد بن عبادة ) فيه عيادة الكبير بعض أتباعه في داره . وقوله : ( في بني الحارث بن الخزرج ) أي في منازل بني الحارث وهم قوم سعد بن عبادة .

قوله : ( قبل وقعة بدر ) في رواية الكشميهني " وقيعة " .

قوله : ( وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي ) أي قبل الإسلام .

قوله : ( فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين ) كذا فيه تكرار لفظ المسلمين آخرا بعد البداءة به ، والأولى حذف أحدهما ، وسقطت الثانية من رواية مسلم وغيره . وأما قوله " عبدة الأوثان " فعلى البدل من المشركين ، وقوله " اليهود " يجوز أن يكون معطوفا على البدل أو على المبدل منه وهو أظهر ; لأن اليهود مقرون بالتوحيد ، نعم من لازم قول من قال منهم عزير ابن الله - تعالى الله عن قولهم - الإشراك ، وعطفهم على أحد التقديرين تنويها بهم في الشر ، ثم ظهر لي رجحان أن يكون عطفا على المبدل منه كأنه فسر المشركين بعبدة الأوثان وباليهود ، ومنه يظهر توجيه إعادة لفظ المسلمين كأنه فسر الأخلاط بشيئين المسلمين والمشركين ، ثم لما فسر المشركين بشيئين رأى إعادة ذكر المسلمين تأكيدا ، ولو كان قال : لا هن المسلمين والمشركين واليهود ما احتاج إلى إعادة ، وإطلاق المشركين على اليهود لكونهم يضاهون قولهم ويرجحونهم على [ ص: 80 ] المسلمين ويوافقونهم في تكذيب الرسول - عليه الصلاة والسلام - ومعاداته وقتاله بعدما تبين لهم الحق ، ويؤيد ذلك أنه قال في آخر الحديث " قال عبد الله بن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان " فعطف عبدة الأوثان على المشركين ، وبالله التوفيق .

قوله : ( عجاجة ) بفتح المهملة وجيمين الأولى خفيفة أي غبارها وقوله " خمر " أي غطى ، وقوله " أنفه " في رواية الكشميهني " وجهه " .

قوله : ( فسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم ) يؤخذ منه جواز السلام على المسلمين إذا كان معهم كفار وينوي حينئذ بالسلام المسلمين ، ويحتمل أن يكون الذي سلم به عليهم صيغة عموم فيها تخصيص كقوله السلام على من اتبع الهدى .

قوله : ( ثم وقف فنزل ) عبر عن انتهاء مسيره بالوقوف .

قوله : ( إنه لا أحسن مما تقول ) بنصب أحسن وفتح أوله على أنه أفعل تفضيل ، ويجوز في أحسن الرفع على أنه خبر لا والاسم محذوف أي لا شيء أحسن من هذا ، ووقع في رواية الكشميهني بضم أوله وكسر السين وضم النون ، ووقع في رواية أخرى لأحسن بحذف الألف لكن بفتح السين وضم النون على أنها لام القسم كأنه قال أحسن من هذا أن تقعد في بيتك ، حكاه عياض عن أبي علي واستحسنه ، وحكى ابن الجوزي تشديد السين المهملة بغير نون من الحس أي لا أعلم منه شيئا .

قوله : ( يتثاورون ) بمثلثة أي يتواثبون ، أي قاربوا أن يثب بعضهم على بعض فيقتتلوا ، يقال ثار إذا قام بسرعة وانزعاج .

قوله : ( حتى سكنوا ) بالنون كذا للأكثر ، وعند الكشميهني بالمثناة ، ووقع في حديث أنس أنه نزل في ذلك وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الآية ، وقد قدمت ما فيه من الإشكال وجوابه عند شرح حديث أنس في كتاب الصلح .

قوله : ( أيا سعد ) في رواية مسلم " أي سعد " .

قوله : ( أبو حباب ) بضم المهملة وبموحدتين الأولى خفيفة وهي كنية عبد الله بن أبي ، وكناه النبي - صلى الله عليه وسلم - في تلك الحالة لكونه كان مشهورا بها أو لمصلحة التألف .

قوله : ( ولقد اصطلح ) بثبوت الواو للأكثر وبحذفها لبعضهم .

قوله : ( أهل هذه البحرة ) في رواية الحموي " البحيرة " بالتصغير ، وهذا اللفظ يطلق على القرية وعلى البلد ، والمراد به هنا المدينة النبوية ، ونقل ياقوت أن البحرة من أسماء المدينة النبوية .

قوله : ( على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة ) يعني يرئسوه عليهم ويسودوه ، وسمي الرئيس معصبا لما يعصب برأسه من الأمور ، أو لأنهم يعصبون رءوسهم بعصابة لا تنبغي لغيرهم يمتازون بها ، ووقع في غير البخاري " فيعصبونه " والتقدير فهم يعصبونه أو فإذا هم يعصبونه ; وعند ابن إسحاق لقد جاءنا الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه ، فهذا تفسير المراد وهو أولى مما تقدم .

قوله : ( شرق بذلك ) بفتح المعجمة وكسر الراء أي غص به ، وهو كناية عن الحسد ، يقال غص بالطعام [ ص: 81 ] وشجي بالعظم وشرق بالماء إذا اعترض شيء من ذلك في الحلق فمنعه الإساغة .

قوله : ( وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب ) هذا حديث آخر أفرده ابن حاتم في التفسير عن الذي قبله وإن كان الإسناد متحدا ، وقد أخرج مسلم الحديث الذي قبله مقتصرا عليه ولم يخرج شيئا من هذا الحديث الآخر .

قوله : ( وقال الله ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم إلى آخر الآية ) ساق في رواية أبي نعيم في " المستخرج " من وجه آخر عن أبي اليمان بالإسناد المذكور الآية وبما بعد ما ساقه المصنف منها تتبين المناسبة وهو قوله تعالى فاعفوا واصفحوا .

قوله : ( حتى أذن الله فيهم ) أي في قتالهم ، أي فترك العفو عنهم ، وليس المراد أنه تركه أصلا بل بالنسبة إلى ترك القتال أولا ووقوعه آخرا ، وإلا فعفوه - صلى الله عليه وسلم - عن كثير من المشركين واليهود بالمن والفداء وصفحه عن المنافقين مشهور في الأحاديث والسير .

قوله : ( صناديد ) بالمهملة ثم نون خفيفة جمع صنديد بكسر ثم سكون وهو الكبير في قومه .

قوله : ( هذا أمر قد توجه ) أي ظهر وجهه .

قوله : ( فبايعوا ) بلفظ الماضي ، ويحتمل أن يكون بلفظ الأمر . والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث