الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب قوله اليوم أكملت لكم دينكم

4330 حدثني محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن قيس عن طارق بن شهاب قالت اليهود لعمر إنكم تقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدا فقال عمر إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت يوم عرفة وإنا والله بعرفة قال سفيان وأشك كان يوم الجمعة أم لا اليوم أكملت لكم دينكم

التالي السابق


قوله : ( بسم الله الرحمن الرحيم . سورة المائدة ) سقطت البسملة لأبي ذر ، والمائدة فاعلة بمعنى مفعولة أي ميد بها صاحبها ، وقيل على بابها ، وسيأتي ذكر ذلك مبينا بعد .

قوله : ( وأنتم حرم واحدها حرام ) هو قول أبي عبيدة ، وزاد : حرام بمعنى محرم . وقرأ الجمهور بضم الراء ويحيى بن وثاب بإسكانها وهي لغة كرسل ورسل .

قوله : ( فبما نقضهم ميثاقهم : بنقضهم ) هو تفسير قتادة ، أخرجه الطبري من طريقه ، وكذا قال أبو عبيدة ( فبما نقضهم ) أي فبنقضهم قال : والعرب تستعمل ما في كلامهم توكيدا ، فإن كان الذي قبلها يجر أو يرفع أو ينصب عمل فيما بعدها .

قوله : ( التي كتب الله ) أي جعل الله ، قال أبو عبيدة في قوله تعالى ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم أي جعل الله لكم وقضى ، وعن ابن إسحاق : كتب لكم أي وهب لكم أخرجه الطبري ، وأخرج من طريق السدي أن معناه أمر ، قال الطبري : والمراد أنه قدرها لسكنى بني إسرائيل في الجملة فلا يرد كون المخاطبين بذلك لم يسكنوها لأن المراد جنسهم بل قد سكنها بعض أولئك كيوشع وهو ممن خوطب بذلك قطعا .

قوله : ( تبوء : تحمل ) قال أبو عبيدة في قوله تعالى إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك أي تحمل إثمي وإثمك . قال : وله تفسير آخر : تبوء أي : تقر ، وليس مرادا هنا . وروى الطبري من طريق مجاهد قال : إني أريد أن تبوء : أن تكون عليك خطيئتك ودمي ، قال : والجمهور على أن المراد بقوله إثمي أي إثم قتلي ، ويحتمل أن يكون على بابه من جهة أن القتل يمحو خطايا المقتول ، وتحمل على القاتل إذا لم تكن له حسنات يوفى منها المقتول .

قوله : ( وقال غيره : الإغراء : التسليط ) هكذا وقع في النسخ التي وقفت عليها ، ولم أعرف الغير ولا من عاد عليه الضمير لأنه لم يفصح بنقل ما تقدم عن أحد ، نعم سقط " وقال غيره " من رواية النسفي ، وكأنه أصوب ، ويحتمل أن يكون المعنى : وقال غير من فسر ما تقدم ذكره ، وفي رواية الإسماعيلي عن الفربري بالإجازة وقال ابن عباس : مخمصة مجاعة . وقال غيره : الإغراء : التسليط . وهذا أوجه . تفسير المخمصة وقع في النسخ الأخرى بعد هذا ، وقد وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، وكذا فسره أبو عبيدة ، والحاصل أن التقديم والتأخير في وضع هذه التفاسير وقع ممن نسخ كتاب البخاري كما قدمناه غير مرة ، ولا يضر ذلك غالبا . تفسير الإغراء بالتسليط يلازم معنى الإغراء .

حقيقة الإغراء كما قال أبو عبيدة التهييج للإفساد ، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد في قوله : ( وأغرينا ) قال ألقينا ، وهذا تفسير بما وقع في الآية الأخرى .

قوله : ( أجورهن : مهورهن ) هو تفسير أبي عبيدة .

[ ص: 119 ] قوله : ( المهيمن القرآن أمين على كل كتاب قبله ) أورد ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : ومهيمنا عليه قال : القرآن أمين على كل كتاب كان قبله . وروى عبد بن حميد من طريق أربدة التميمي عن ابن عباس في قوله تعالى ومهيمنا عليه قال : مؤتمنا عليه . وقال ابن قتيبة وتبعه جماعة ( مهيمنا ) مفيعل من أيمن قلبت همزته هاء ، وقد أنكر ذلك ثعلب فبالغ حتى نسب قائله إلى الكفر لأن المهيمن من الأسماء الحسنى وأسماء الله تعالى لا تصغر ، والحق أنه أصل بنفسه ليس مبدلا من شيء ، وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب تقول : هيمن فلان على فلان إذا صار رقيبا عليه فهو مهيمن ، قال أبو عبيدة : لم يجئ في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعة ألفاظ : مبيطر ومسيطر ومهيمن ومبيقر .

قوله : ( وقال سفيان : ما في القرآن آية أشد علي من لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم ) يعني أن من لم يعمل بما أنزل الله في كتابه فليس على شيء ، ومقتضاه أن من أخل ببعض الفرائض فقد أخل بالجميع ، ولأجل ذلك أطلق كونها أشد من غيرها ، ويحتمل أن يكون هذا مما كان على أهل الكتاب من الإصر . وقد روى ابن أبي حاتم أن الآية نزلت في سبب خاص ، فأخرج بإسناد حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاء مالك بن الصيف وجماعة من الأحبار فقالوا : يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ، تؤمن بما في التوراة ، تشهد أنها حق ؟ قال : بلى ، ولكنكم كتمتم منها ما أمرتم ببيانه ، فأنا أبرأ مما أحدثتموه . قالوا : فإنا نتمسك بما في أيدينا من الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا بما جئت به ، فأنزل الله هذه الآية . وهذا يدل على أن المراد بما أنزل إليكم من ربكم أي القرآن . ويؤيد هذا التفسير قوله تعالى في الآية التي قبلها ( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا - إلى قوله - لأكلوا من فوقهم ) الآية

( تنبيه ) :

سفيان المذكور وقع في بعض النسخ أنه الثوري ، ولم يقع لي إلى الآن موصولا .

قوله : ( من أحياها يعني من حرم قتلها إلا بحق حيي الناس منه جميعا ) وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس .

قوله : ( شرعة ومنهاجا سبيلا وسنة ) وقد تقدم في الإيمان . وقال أبو عبيدة لكل جعلنا منكم شرعة أي سنة ( ومنهاجا ) أي سبيلا بينا واضحا .

قوله : ( عثر : ظهر . الأوليان : واحدها أولى ) أي أحق به طعامهم وذبائحهم ، كذا ثبت في بعض النسخ هنا ، وقد تقدم في الوصايا إلا الأخير فسيأتي في الذبائح .

قوله : باب قوله اليوم أكملت لكم دينكم سقط " باب " لغير أبي ذر .

قوله : ( وقال ابن عباس : مخمصة : مجاعة ) كذا ثبت لغير أبي ذر هنا ، وتقدم قريبا .

[ ص: 120 ] قوله : ( حدثنا عبد الرحمن ) هو ابن مهدي .

قوله : ( عن قيس ) هو ابن مسلم .

قوله : ( قالت اليهود ) في رواية أبي العميس عن قيس في كتاب الإيمان " أن رجلا من اليهود " وقد تقدمت تسميته هناك وأنه كعب الأحبار ، واحتمل أن يكون الراوي حيث أفرد السائل أراد تعيينه ، وحيث جمع أراد باعتبار من كان معه على رأيه ، وأطلق على كعب هذه الصفة إشارة إلى أن سؤاله عن ذلك وقع قبل إسلامه لأن إسلامه كان في خلافة عمر على المشهور ، وأطلق عليه ذلك باعتبار ما مضى .

قوله : ( إني لأعلم ) وقع في هذه الرواية اختصار ، وقد تقدم في الإيمان من وجه آخر عن قيس بن مسلم " فقال عمر أي آية إلخ " .

قوله : ( حيث أنزلت وأين أنزلت ) في رواية أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي " حيث أنزلت وأي يوم أنزلت " . وبها يظهر أن لا تكرار في قوله حيث وأين ، بل أراد بإحداهما المكان وبالأخرى الزمان .

قوله : ( وأين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث أنزلت يوم عرفة ) كذا لأبي ذر ولغيره " حين " بدل حيث ، وفي رواية أحمد " وأين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أنزلت ، أنزلت يوم عرفة " بتكرار " أنزلت " وهي أوضح ، وكذا لمسلم عن محمد بن المثنى عن عبد الرحمن في الموضعين .

قوله : ( وإنا والله بعرفة ) كذا للجميع ، وعند أحمد " ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف بعرفة " وكذا لمسلم ، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن بشار . وبندار شيخ البخاري فيه .

قوله : ( قال سفيان وأشك كان يوم الجمعة أم لا ) قد تقدم في الإيمان من وجه آخر عن قيس بن مسلم الجزم بأن ذلك كان يوم الجمعة ، وسيأتي الجزم بذلك من رواية مسعر عن قيس في كتاب الاعتصام ، وقد تقدم في كتاب الإيمان بيان مطابقة جواب عمر للسؤال لأنه سأله عن اتخاذه عيدا فأجاب بنزولها بعرفة يوم الجمعة ، ومحصله أن في بعض الروايات " وكلاهما بحمد الله لنا عيد " قال الكرماني : أجاب بأن النزول كان يوم عرفة ، ومن المشهور أن اليوم الذي بعد عرفة هو عيد للمسلمين ، فكأنه قال : جعلناه عيدا بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتعبد فيه ، قال : وإنما لم يجعله يوم النزول لأنه ثبت أن النزول كان بعد العصر ، ولا يتحقق العيد إلا من أول النهار ، ولهذا قال الفقهاء : إن رؤية الهلال نهارا تكون لليلة المستقبلة انتهى . والتنصيص على أن تسمية يوم عرفة يوم عيد يغني عن هذا التكلف ، فإن العيد مشتق من العود وقيل له ذلك لأنه يعود في كل عام . وقد نقل الكرماني عن الزمخشري أن العيد هو السرور العائد وأقر ذلك ، فالمعنى أن كل يوم شرع تعظيمه يسمى عيدا انتهى . ويمكن أن يقال هو عيد لبعض الناس دون بعض وهو للحجاج خاصة ولهذا يكره لهم صومه ، بخلاف غيرهم فيستحب ، ويوم العيد لا يصام . وقد تقدم في شرح هذا الحديث في كتاب الإيمان بيان من روى في حديث الباب أن الآية نزلت يوم عيد وأنه عند الترمذي من حديث ابن عباس ، وأما تعليله لترك جعله عيدا بأن نزول الآية كان بعد العصر فلا يمنع أن يتخذ عيدا ، ويعظم ذلك اليوم من أوله لوقوع موجب التعظيم في أثنائه ، والتنظير الذي نظر به ليس بمستقيم ، لأن مرجع ذلك من جهة سير الهلال ، وإني لأتعجب من خفاء ذلك عليه . وفي الحديث بيان ضعف ما أخرجه الطبري بسند فيه ابن لهيعة عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت يوم الاثنين ، وضعف ما أخرجه من طريق العوفي عن ابن عباس أن [ ص: 121 ] اليوم المذكور ليس بمعلوم ، وعلى ما أخرجه البيهقي بسند منقطع أنها نزلت يوم التروية ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفناء الكعبة فأمر الناس أن يروحوا إلى منى وصلى الظهر بها ، قال البيهقي : حديث عمر أولى ، هو كما قال . واستدل بهذا الحديث على مزية الوقوف بعرفة يوم الجمعة على غيره من الأيام ، لأن الله تعالى إنما يختار لرسوله الأفضل ، وأن الأعمال تشرف بشرف الأزمنة كالأمكنة ، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة الحديث ، ولأن في يوم الجمعة الساعة المستجاب فيها الدعاء ولا سيما على قول من قال إنها بعد العصر ، وأما ما ذكره رزين في جامعه مرفوعا خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة وافق يوم الجمعة ، وهو أفضل من سبعين حجة في غيرها فهو حديث لا أعرف حاله لأنه لم يذكر صحابيه ولا من أخرجه بل أدرجه في حديث الموطأ الذي ذكره مرسلا عن طلحة بن عبد الله بن كريز ، وليست الزيادة المذكورة في شيء من الموطآت فإن كان له أصل احتمل أن يراد بالسبعين التحديد أو المبالغة ، وعلى كل منهما فثبتت المزية بذلك ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث