الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب جمع القرآن

4701 حدثنا موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد حدثنا ابن شهاب عن عبيد بن السباق أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضي الله عنه إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر هذا والله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قلت كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه [ ص: 628 ]

التالي السابق


[ ص: 628 ] قوله : ( باب جمع القرآن ) المراد بالجمع هنا جمع مخصوص ، وهو جمع متفرقه في صحف ، ثم جمع تلك الصحف في مصحف واحد مرتب السور . وسيأتي بعد ثلاثة أبواب " باب تأليف القرآن " والمراد به هناك تأليف الآيات في السورة الواحدة أو ترتيب السور في المصحف .

قوله : ( عن عبيد بن السباق ) بفتح المهملة وتشديد الموحدة ، مدني يكنى أبا سعيد ، ذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين ، لكن لم أر له رواية عن أقدم من سهل بن حنيف الذي مات في خلافة علي ، وحديثه عنه عند أبي داود وغيره ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث ، لكنه كرره في التفسير والأحكام والتوحيد وغيرها مطولا ومختصرا .

قوله : ( عن زيد بن ثابت ) هذا هو الصحيح عن الزهري أن قصة زيد بن ثابت مع أبي بكر وعمر عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت ، وقصة حذيفة مع عثمان عن أنس بن مالك ، وقصة فقد زيد بن ثابت الآية من سورة الأحزاب في رواية عبيد بن السباق عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه ، وقد رواه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن الزهري فأدرج قصة آية سورة الأحزاب في رواية عبيد بن السباق ، وأغرب عمارة بن غزية فرواه عن الزهري فقال : " عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه " وساق القصص الثلاث بطولها : قصة زيد مع أبي بكر وعمر ؛ ثم قصة حذيفة مع عثمان أيضا ، ثم قصة فقد زيد بن ثابت الآية من سورة الأحزاب أخرجه الطبري ، وبين الخطيب في " المدرج " أن ذلك وهم منه وأنه أدرج بعض الأسانيد على بعض .

قوله : ( أرسل إلي أبو بكر الصديق ) لم أقف على اسم الرسول إليه بذلك ، وروينا في الجزء الأول من " فوائد الديرعاقولي " قال : " حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد عن زيد بن ثابت قال : قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن القرآن جمع في شيء " .

قوله : ( مقتل أهل اليمامة ) أي عقب قتل أهل اليمامة . والمراد بأهل اليمامة هنا من قتل بها من الصحابة في الوقعة مع مسيلمة الكذاب ، وكان من شأنها أن مسيلمة ادعى النبوة وقوي أمره بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بارتداد كثير من العرب ، فجهز إليه أبو بكر الصديق خالد بن الوليد في جمع كثير من الصحابة فحاربوه أشد محاربة ، إلى أن خذله الله وقتله ، وقتل في غضون ذلك من الصحابة جماعة كثيرة قيل سبعمائة وقيل أكثر .

قوله : ( قد استحر ) بسين مهملة ساكنة ومثناة مفتوحة بعدها حاء مهملة مفتوحة ثم راء ثقيلة ، أي اشتد وكثر ، وهو استفعل من الحر لأن المكروه غالبا يضاف إلى الحر ، كما أن المحبوب يضاف إلى البرد يقولون : أسخن الله عينه وأقر عينه . ووقع من تسمية القراء الذين أراد عمر في رواية سفيان بن عيينة المذكورة قتل سالم مولى أبي حذيفة ولفظه " فلما قتل سالم مولى أبي حذيفة خشي عمر أن يذهب القرآن ، فجاء إلى أبي بكر " وسيأتي أن سالما أحد من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأخذ القرآن عنه .

قوله : ( بالقراء بالمواطن ) أي في المواطن أي الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار ، ووقع في رواية شعيب عن الزهري " في المواطن " وفي رواية سفيان " وأنا أخشى أن لا يلقى المسلمون زحفا آخر إلا استحر القتل بأهل القرآن " .

قوله : ( فيذهب كثير من القرآن ) في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه من الزيادة " إلا أن يجمعوه " [ ص: 629 ] وفي رواية شعيب " قبل أن يقتل الباقون " وهذا يدل على أن كثيرا ممن قتل في وقعة اليمامة كان قد حفظ القرآن ، لكن يمكن أن يكون المراد أن مجموعهم جمعه لا أن كل فرد جمعه ، وسيأتي مزيد بيان لذلك في " باب من جمع القرآن " إن شاء الله تعالى .

قوله : ( قلت لعمر ) هو خطاب أبي بكر لعمر ، حكاه ثانيا لزيد بن ثابت لما أرسل إليه ، وهو كلام من يؤثر الاتباع وينفر من الابتداع .

قوله : ( لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) تقدم من رواية سفيان بن عيينة تصريح زيد بن ثابت . بذلك ، وفي رواية عمارة بن غزية " فنفر منها أبو بكر وقال : أفعل ما لم يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ؟! وقال الخطابي وغيره : يحتمل أن يكون - صلى الله عليه وسلم - إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته ، فلما انقضى نزوله بوفاته - صلى الله عليه وسلم - ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء لوعد الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية زادها الله شرفا ، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق - رضي الله عنه - بمشورة عمر ، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي داود في " المصاحف " بإسناد حسن عن عبد خير قال : " سمعت عليا يقول : أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر ، رحمة الله على أبي بكر ، هو أول من جمع كتاب الله " وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن " الحديث فلا ينافي ذلك ، لأن الكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة ، وقد كان القرآن كله كتب في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور ، وأما ما أخرجه ابن أبي داود في " المصاحف " من طريق ابن سيرين قال : " قال علي : لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آليت أن لا آخذ على ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعه " فإسناده ضعيف لانقطاعه ، وعلى تقدير أن يكون محفوظا فمراده بجمعه حفظه في صدره ، قال : والذي وقع في بعض طرقه " حتى جمعته بين اللوحين " وهم من راويه .

قلت : وما تقدم من رواية عبد خير عن علي أصح ، فهو المعتمد . ووقع عند ابن أبي داود أيضا بيان السبب في إشارة عمر بن الخطاب بذلك ، فأخرج من طريق الحسن " أن عمر سأل عن آية من كتاب الله فقيل : كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة ، فقال : إنا لله ، وأمر بجمع القرآن ، فكان أول من جمعه في المصحف " وهذا منقطع ، فإن كان محفوظا حمل على أن المراد بقوله " فكان أول من جمعه " أي أشار بجمعه في خلافة أبي بكر فنسب الجمع إليه لذلك . وقد تسول لبعض الروافض أنه يتوجه الاعتراض على أبي بكر بما فعله من جمع القرآن في المصحف فقال : كيف جاز أن يفعل شيئا لم يفعله الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ؟ والجواب أنه لم يفعل ذلك إلا بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النصح منه لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن في كتابة القرآن ونهى أن يكتب معه غيره ، فلم يأمر أبو بكر إلا بكتابة ما كان مكتوبا ، ولذلك توقف عن كتابة الآية من آخر سورة " براءة " حتى وجدها مكتوبة ، مع أنه كان يستحضرها هو ومن ذكر معه . وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يعد في فضائله وينوه بعظيم منقبته ، لثبوت قوله - صلى الله عليه وسلم - " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها " فما جمع القرآن أحد بعده إلا وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة . وقد كان لأبي بكر من الاعتناء بقراءة القرآن ما اختار معه أن يرد على ابن الدغنة جواره ويرضى بجوار الله ورسوله ، وقد تقدمت القصة مبسوطة في فضائله ، وقد أعلم الله تعالى في القرآن بأنه مجموع في الصحف في قوله : يتلو صحفا مطهرة الآية ، وكان القرآن [ ص: 630 ] مكتوبا في الصحف ، لكن كانت مفرقة فجمعها أبو بكر في مكان واحد ، ثم كانت بعده محفوظة إلى أن أمر عثمان بالنسخ منها فنسخ منها عدة مصاحف وأرسل بها إلى الأمصار ، كما سيأتي بيان ذلك .

قوله : ( قال زيد ) أي ابن ثابت ( قال أبو بكر ) أي قال لي ( إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي ) ذكر له أربع صفات مقتضية خصوصيته بذلك : كونه شابا فيكون أنشط لما يطلب منه ، وكونه عاقلا فيكون أوعى له ، وكونه لا يتهم فتركن النفس إليه ، وكونه كان يكتب الوحي فيكون أكثر ممارسة له . وهذه الصفات التي اجتمعت له قد توجد في غيره لكن مفرقة . وقال ابن بطال عن المهلب : هذا يدل على أن العقل أصل الخصال المحمودة لأنه لم يصف زيدا بأكثر من العقل وجعله سببا لائتمانه ورفع التهمة عنه ، كذا قال وفيه نظر ، وسيأتي مزيد البحث فيه في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى . ووقع في رواية سفيان بن عيينة " فقال أبو بكر ، أما إذا عزمت على هذا فأرسل إلى زيد بن ثابت فادعه ، فإنه كان شابا حدثا نقيا يكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليه فادعه حتى يجمعه معنا . قال زيد بن ثابت : فأرسلا إلي فأتيتهما ، فقالا لي : إنا نريد أن نجمع القرآن في شيء ، فاجمعه معنا . وفي رواية عمارة بن غزية " فقال لي أبو بكر : إن هذا دعاني إلى أمر ، وأنت كاتب الوحي ، فإن تك معه اتبعتكما ، وإن توافقني لا أفعل " فاقتضى قول عمر - فنفرت من ذلك ، فقال عمر ، كلمه وما عليكما لو فعلتما ، قال : فنظرنا فقلنا : لا شيء والله ، ما علينا . قال ابن بطال : إنما نفر أبو بكر أولا ثم زيد بن ثابت ثانيا لأنهما لم يجدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعله ، فكرها أن يحلا أنفسهما محل من يزيد احتياطه للدين على احتياط الرسول فلما نبههما عمر على فائدة ذلك وأنه خشية أن يتغير الحال في المستقبل إذا لم يجمع القرآن فيصير إلى حالة الخفاء بعد الشهرة ، رجعا إليه . قال : ودل ذلك على أن فعل الرسول إذا تجرد عن القرائن - وكذا تركه - لا يدل على وجوب ولا تحريم انتهى . وليس ذلك من الزيادة على احتياط الرسول ، بل هو مستمد من القواعد التي مهدها الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال ابن الباقلاني : كان الذي فعله أبو بكر من ذلك فرض كفاية ، بدلالة قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن " مع قوله تعالى إن علينا جمعه وقرآنه وقوله : إن هذا لفي الصحف الأولى وقوله : رسول من الله يتلو صحفا مطهرة قال : فكل أمر يرجع لإحصائه وحفظه فهو واجب على الكفاية ، وكان ذلك من النصيحة لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم . قال : وقد فهم عمر أن ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - جمعه لا دلالة فيه على المنع ، ورجع إليه أبو بكر لما رأى وجه الإصابة في ذلك ، وأنه ليس في المنقول ولا في المعقول ما ينافيه ، وما يترتب على ترك جمعه من ضياع بعضه ، ثم تابعهما زيد بن ثابت وسائر الصحابة على تصويب ذلك .

قوله : ( فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به ) كأنه جمع أولا باعتبار أبي بكر ومن وافقه ، وأفرد باعتبار أنه الآمر وحده بذلك . ووقع في رواية شعيب عن الزهري " لو كلفني " بالإفراد أيضا ، وإنما قال زيد بن ثابت ذلك لما خشيه من التقصير في إحصاء ما أمر بجمعه ، لكن الله تعالى يسر له ذلك كما قال تعالى : ولقد يسرنا القرآن للذكر .

قوله : ( فتتبعت القرآن أجمعه ) أي : من الأشياء التي عندي وعند غيري .

قوله : ( من العسب ) بضم المهملتين ثم موحدة جمع عسيب وهو جريد النخل ، كانوا يكشطون الخوص [ ص: 631 ] ويكتبون في الطرف العريض . وقيل العسيب طرف الجريدة العريض الذي لم ينبت عليه الخوص ، والذي ينبت عليه ، الخوص هو السعف . ووقع في رواية ابن عيينة عن ابن شهاب " القصب والعسب والكرانيف وجرائد النخل " ووقع في رواية شعيب " من الرقاع " جمع رقعة ، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد ، وفي رواية عمار بن غزية " وقطع الأديم " وفي رواية ابن أبي داود من طريق أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد " والصحف " .

قوله : ( واللخاف ) بكسر اللام ثم خاء معجمة خفيفة وآخره فاء جمع لخفة بفتح اللام وسكون المعجمة ، ووقع في رواية أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد " واللخف " بضمتين وفي آخره فاء ، قال أبو داود الطيالسي في روايته : هي الحجارة الرقاق . وقال الخطابي : صفائح الحجارة الرقاق . قال الأصمعي : فيها عرض ودقة . وسيأتي للمصنف في الأحكام عن أبي ثابت أحد شيوخه أنه فسره بالخزف بفتح المعجمة والزاي ثم فاء وهي الآنية التي تصنع من الطين المشوي . ووقع في رواية شعيب " والأكتاف " جمع كتف وهو العظم الذي للبعير أو الشاة ، كانوا إذا جف كتبوا فيه . وفي رواية عمارة بن غزية " وكسر الأكتاف " وفي رواية ابن مجمع عن ابن شهاب عند ابن أبي داود " والأضلاع " وعنده من وجه آخر " والأقتاب " بقاف ومثناة وآخره موحدة جمع قتب بفتحتين وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه ، وعند ابن أبي داود أيضا في " المصاحف " من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال : " قام عمر فقال : من كان تلقى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا من القرآن فليأت به . وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب قال : وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان " وهذا يدل على أن زيدا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا ؛ مع كون زيد كان يحفظه ، وكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط . وعند ابن أبي داود أيضا من طريق هشام بن عروة عن أبيه " أن أبا بكر قال لعمر ولزيد : اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه " ورجاله ثقات مع انقطاعه ، وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب ، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن . وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - لا من مجرد الحفظ .

قوله : ( وصدور الرجال ) أي حيث لا أجد ذلك مكتوبا . أو الواو بمعنى مع أي أكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصدر .

قوله : ( حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري ) وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد " مع خزيمة بن ثابت " أخرجه أحمد والترمذي . ووقع في رواية شعيب عن الزهري كما تقدم في سورة التوبة " مع خزيمة الأنصاري " وقد أخرجه الطبراني في " مسند الشاميين " من طريق أبي اليمان عن شعيب فقال فيه " خزيمة بن ثابت الأنصاري " وكذا أخرجه ابن أبي داود من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب ، وقول من قال : عن إبراهيم بن سعد " مع أبي خزيمة " أصح ، وقد تقدم البحث فيه في تفسير سورة التوبة وأن الذي وجد معه آخر سورة التوبة غير الذي وجد معه الآية التي في الأحزاب ، فالأول اختلف الرواة فيه على الزهري ، فمن قائل " مع خزيمة " ومن قائل " مع أبي خزيمة " ومن شاك فيه يقول " خزيمة أو أبي خزيمة " والأرجح أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة بالكنية ، والذي وجد معه الآية من الأحزاب خزيمة . وأبو خزيمة قيل هو ابن أوس بن يزيد بن أصرم مشهور بكنيته دون اسمه ، وقيل هو الحارث بن خزيمة ، وأما خزيمة فهو ابن ثابت ذو [ ص: 632 ] الشهادتين كما تقدم صريحا في سورة الأحزاب . وأخرج ابن أبي داود من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال : " أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين ، من آخر سورة براءة فقال : أشهد أني سمعتهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووعيتهما ، فقال عمر : وأنا أشهد لقد سمعتهما . ثم قال : لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة ، فانظروا سورة من القرآن فألحقوها في آخرها " فهذا إن كان محفوظا احتمل أن يكون قول زيد بن ثابت " وجدتها مع أبي خزيمة لم أجدها مع غيره " أي أول ما كتبت ، ثم جاء الحارث بن خزيمة بعد ذلك ، أو أن أبا خزيمة هو الحارث بن خزيمة لا ابن أوس . وأما قول عمر " لو كانت ثلاث آيات " فظاهره أنهم كانوا يؤلفون آيات السور باجتهادهم ، وسائر الأخبار تدل على أنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك إلا بتوقيف . نعم ترتيب السور بعضها إثر بعض كان يقع بعضه منهم بالاجتهاد كما سيأتي في " باب تأليف القرآن " .

قوله : ( لم أجدها مع أحد غيره ) أي مكتوبة ، لما تقدم من أنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة . ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها من النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما كان زيد يطلب التثبت عمن تلقاها بغير واسطة ، ولعلهم لما وجدها زيد عند أبي خزيمة تذكروها كما تذكرها زيد . وفائدة التتبع المبالغة في الاستظهار ، والوقوف عند ما كتب بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال الخطابي : هذا مما يخفى معناه . ويوهم أنه كان يكتفي في إثبات الآية بخبر الشخص الواحد ، وليس كذلك ، فقد اجتمع في هذه الآية زيد بن ثابت وأبو خزيمة وعمر . وحكى ابن التين عن الداودي قال : لم يتفرد بها أبو خزيمة ، بل شاركه زيد بن ثابت ، فعلى هذا تثبت برجلين اه . وكأنه ظن أن قولهم لا يثبت القرآن بخبر الواحد أي الشخص الواحد ، وليس كما ظن ، بل المراد بخبر الواحد خلاف الخبر المتواتر ، فلو بلغت رواة الخبر عددا كثيرا وفقد شيئا من شروط المتواتر لم يخرج عن كونه خبر الواحد . والحق أن المراد بالنفي نفي وجودها مكتوبة ، لا نفي كونها محفوظة . وقد وقع عند ابن أبي داود من رواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب " فجاء خزيمة بن ثابت فقال : إني رأيتكم تركتم آيتين فلم تكتبوهما . قالوا : وما هما ؟ قال : تلقيت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة ، فقال عثمان : وأنا أشهد ، فكيف ترى أن تجعلهما ؟ قال : أختم بهما آخر ما نزل من القرآن " ومن طريق أبي العالية أنهم لما جمعوا القرآن في خلافة أبي بكر كان الذي يملي عليهم أبي بن كعب ، فلما انتهوا من " براءة " إلى قوله : " لا يفقهون " ظنوا أن هذا آخر ما نزل منها ، فقال أبي بن كعب : أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آيتين بعدهن لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة " .

قوله : ( فكانت الصحف ) أي التي جمعها زيد بن ثابت .

قوله : ( عند أبي بكر حتى توفاه الله ) في " موطأ ابن وهب " عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال : " جمع أبو بكر القرآن في قراطيس ، وكان سأل زيد بن ثابت في ذلك فأبى حتى استعان عليه بعمر ففعل وعند " موسى بن عقبة في المغازي " عن ابن شهاب قال : " لما أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر وخاف أن يهلك من القراء طائفة ، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم ، حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في الصحف " وهذا كله أصح مما وقع في رواية عمارة بن غزية " أن زيد بن ثابت قال : فأمرني أبو بكر فكتبت في قطع الأديم والعسب ، فلما هلك أبو بكر وكان عمر كتبت ذلك في [ ص: 633 ] صحيفة واحدة فكانت عنده " وإنما كان في الأديم والعسب أولا قبل أن يجمع في عهد أبي بكر ، ثم جمع في الصحف في عهد أبي بكر كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المترادفة .

قوله : ( ثم عند حفصة بنت عمر ) أي : بعد عمر في خلافة عثمان ، إلى أن شرع عثمان في كتابة المصحف . وإنما كان ذلك عند حفصة لأنها كانت وصية عمر ، فاستمر ما كان عنده عندها حتى طلبه منها من له طلب ذلك .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث