الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوها مما له رائحة كريهة عن حضور المسجد

567 حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا هشام حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم وذكر أبا بكر قال إني رأيت كأن ديكا نقرني ثلاث نقرات وإني لا أراه إلا حضور أجلي وإن أقواما يأمرونني أن أستخلف وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وإني قد علمت أن أقواما يطعنون في هذا الأمر أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال ثم إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بإصبعه في صدري فقال يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن ثم قال اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار وإني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا عليهم وليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ويقسموا فيهم فيئهم ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمرهم ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسمعيل ابن علية عن سعيد بن أبي عروبة قال ح وحدثنا زهير بن حرب وإسحق بن إبراهيم كلاهما عن شبابة بن سوار قال حدثنا شعبة جميعا عن قتادة في هذا الإسناد مثله

التالي السابق


قوله ( حدثنا هشام قال : حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خطب يوم الجمعة ) هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم ، وقال : خالف قتادة في هذا الحديث ثلاثة حفاظ وهم : منصور بن المعتمر ، وحصين بن عبد الرحمن ، وعمر بن مرة ؛ فرووه عن سالم عن عمر منقطعا لم يذكروا فيه معدان . قال الدارقطني : وقتادة وإن كان ثقة وزيادة الثقة مقبولة عندنا ، فإنه مدلس ، ولم يذكر فيه سماعه من سالم فأشبه أن يكون بلغه عن سالم فرواه عنه ، قلت هذا الاستدراك مردود ؛ لأن قتادة وإن كان مدلسا ، فقد قدمنا في مواضع من هذا الشرح أن ما رواه البخاري ومسلم عن المدلسين وعنعنوه فهو محمول على أنه ثبت - من طريق آخر - سماع ذلك المدلس هذا الحديث ممن عنعنه عنه ، وأكثر هذا أو كثير منه يذكر مسلم وغيره سماعه من طريق آخر متصلا به ، وقد اتفقوا على أن المدلس لا يحتج بعنعنته ، كما سبق بيانه في الفصول المذكورة في مقدمة هذا الشرح ، ولا شك عندنا في أن مسلما - رحمه الله تعالى - يعلم هذه القاعدة ويعلم تدليس قتادة ، فلولا ثبوت سماعه عنده لم يحتج به ، ومع هذا كله فتدليسه لا يلزم منه أن يذكر معدانا من غير أن يكون له ذكر ، والذي يخاف من المدلس أن يحذف بعض الرواة ، أما زيادة من لم يكن فهذا لا يفعله المدلس ، وإنما هذا فعل الكاذب المجاهر بكذبه ، وإنما ذكر معدان زيادة ثقة فيجب قبولها . والعجب من الدارقطني - رحمه الله تعالى - في كونه جعل التدليس موجبا لاختراع ذكر رجل لا ذكر له ونسبه إلى مثل قتادة الذي محله من العدالة والحفظ والعلم بالغاية العالية . وبالله التوفيق .

قوله : ( وإن أقواما يأمرونني أن أستخلف ، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته ) معناه : إن أستخلف فحسن ، وإن تركت الاستخلاف فحسن ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف ؛ لأن الله - عز وجل - لا يضيع دينه ، يقيم له من يقوم به .

[ ص: 214 ] قوله : ( فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة ) معنى ( شورى ) يتشاورون فيه ويتفقون على واحد من هؤلاء الستة : عثمان وعلي وطلحة وزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ، ولم يدخل سعيد بن زيد معهم وإن كان من العشرة ؛ لأنه من أقاربه ، فتورع عن إدخاله كما تورع عن إدخال ابنه عبد الله - رضي الله عنهم - .

قوله : ( وقد علمت أن أقواما يطعنون في هذا الأمر - إلى قوله - فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال ) معناه : إن استحلوا ذلك فهم كفرة ضلال ، وإن لم يستحلوا ذلك ففعلهم فعل الكفرة .

وقوله : ( يطعنون ) بضم العين وفتحها وهو الأصح هنا .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء ) معناه : الآية التي نزلت في الصيف ، وهي قول الله تعالى : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إلى آخرها وفيه : دليل على جواز قول : سورة النساء وسورة البقرة ، وسورة العنكبوت ونحوها ، وهذا مذهب من يعتد به من العلماء ، والإجماع اليوم منعقد عليه ، وكان فيه نزاع في العصر الأول ، وكان بعضهم يقول : لا يقال سورة كذا ، إنما يقال : السورة التي يذكر فيها كذا ، وهذا باطل مردود بالأحاديث الصحيحة ، واستعمال النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين فمن بعدهم من علماء المسلمين ، ولا مفسدة فيه ، لأن المعنى مفهوم . والله أعلم .

قوله : ( لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع ) هذا فيه : إخراج من وجد منه ريح الثوم والبصل ونحوهما من المسجد وإزالة المنكر باليد لمن أمكنه .

قوله : ( فمن أكلهما فليمتهما طبخا ) معناه من أراد أكلهما فليمت رائحتهما بالطبخ ، وإماتة كل [ ص: 215 ] شيء كسر قوته وحدته ، ومنه قولهم : قتلت الخمر إذا مزجها بالماء وكسر حدتها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث