الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب جواز النافلة قائما وقاعدا وفعل بعض الركعة قائما وبعضها قاعدا

733 حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي وداعة السهمي عن حفصة أنها قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في سبحته قاعدا حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سبحته قاعدا وكان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها وحدثني أبو الطاهر وحرملة قالا أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس ح وحدثنا إسحق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر جميعا عن الزهري بهذا الإسناد مثله غير أنهما قالا بعام واحد أو اثنين

التالي السابق


قوله : ( عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي وداعة عن حفصة ) هؤلاء ثلاثة صحابيون يروي بعضهم عن بعض : السائب والمطلب وحفصة .

قوله : " هلال بن يساف " بفتح الياء وكسرها ، ويقال فيه : إساف بكسر الهمزة .

قوله : ( عن عبد الله بن عمرو أنه وجد النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي جالسا قال : فوضعت يدي على رأسه ، فقال مالك : يا عبد الله بن عمرو قلت حدثت يا رسول الله أنك قلت : صلاة الرجل قاعدا على نصف الصلاة وأنت تصلي قاعدا قال : أجل ولكني لست كأحد منكم ) معناه أن صلاة القاعد فيها نصف ثواب القائم فيتضمن صحتها ونقصان أجرها ، وهذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعدا مع القدرة على القيام ، فهذا له نصف ثواب القائم . وأما إذا صلى النفل قاعدا لعجزه عن القيام فلا ينقص ثوابه ، بل يكون كثوابه قائما . وأما الفرض فإن الصلاة قاعدا مع قدرته على القيام لم يصح فلا يكون فيه ثواب ، بل يأثم به .

قال أصحابنا : وإن استحله كفر ، وجرت عليه أحكام المرتدين ، كما لو استحل الزنا ، الربا أو غيره من المحرمات الشائعة التحريم . وإن صلى الفرض قاعدا لعجزه عن القيام ، أو مضطجعا لعجزه عن القيام والقعود فثوابه كثوابه قائما لم ينقص باتفاق أصحابنا . فيتعين حمل الحديث في تنصيف الثواب على من صلى النفل قاعدا مع قدرته على القيام . هذا تفصيل مذهبنا ، وبه قال الجمهور في تفسير هذا الحديث ، وحكاه القاضي عياض عن جماعة منهم الثوري وابن الماجشون .

وحكي عن الباجي من أئمة المالكية أنه حمله على المصلي فريضة لعذر ، أو نافلة لعذر أو لغير عذر . قال : وحمله بعضهم على من له عذر يرخص في القعود في الفرض والنفل ، ويمكنه القيام بمشقة .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم : ( لست كأحد منكم ) فهو عند أصحابنا من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعلت نافلته قاعدا مع القدرة على القيام كنافلته تشريفا له كما خص بأشياء معروفة في كتب أصحابنا وغيرهم ، وقد استقصيتها في أول كتاب تهذيب الأسماء واللغات .

وقال القاضي عياض : معناه أن [ ص: 361 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - لحقه مشقة من القيام لحطم الناس وللسن فكان أجره تاما بخلاف غيره ممن لا عذر له . هذا كلامه ، وهو ضعيف أو باطل ؛ لأن غيره - صلى الله عليه وسلم - إن كان معذورا فثوابه أيضا كامل ، وإن كان قادرا على القيام فليس هو كالمعذور فلا يبقى فيه تخصيص ، فلا يحسن على هذا التقدير ( لست كأحد منكم ) وإطلاق هذا القول . فالصواب ما قاله أصحابنا أن نافلته - صلى الله عليه وسلم - قاعدا مع القدرة على القيام ثوابها كثوابه قائما وهو من الخصائص والله أعلم .

واختلف العلماء في الأفضل من كيفية القعود موضع القيام في النافلة وكذا في الفريضة إذا عجز ، وللشافعي قولان أظهرهما : يقعد مفترشا ، والثاني متربعا . وقال بعض أصحابنا متوركا ، وبعض أصحابنا : ناصبا ركبته . وكيف قعد جاز ، لكن الخلاف في الأفضل ، والأصح عندنا جواز التنفل مضطجعا للقادر على القيام والقعود للحديث الصحيح في البخاري : ومن صلى قائما فله نصف أجر القاعد وإذا صلى مضطجعا فعلى يمينه ، فإن كان على يساره جاز ، وهو خلاف الأفضل ، فإن استلقى مع إمكان الاضطجاع لم يصح . قيل : الأفضل مستلقيا ، وأنه إذا اضطجع لا يصح ، والصواب الأول . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث