الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق السلعة بالحلف وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة

107 وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع وأبو معاوية عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم قال أبو معاوية ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر

التالي السابق


باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ( وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار ، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة )

فيه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ) .

وفي الحديث الآخر : ( من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال ، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة ، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه ) .

وفي رواية : ( من حلف بملة سوى الإسلام كاذبا متعمدا فهو [ ص: 290 ] كما قال ) .

وفي الحديث الآخر : ( ليس على رجل نذر فيما لا يملك ، ولعن المؤمن كقتله ، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ، ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله تعالى إلا قلة ، ومن حلف على يمين صبر فاجرة ) وفي الباب الأحاديث الباقية ، وستمر على ألفاظها ومعانيها إن شاء الله تعالى .

أما الأسماء وما يتعلق بعلم الإسناد ففيه أشياء كثيرة تقدمت من الكنى والدقائق كقوله : حدثنا خالد يعني ابن الحارث فقد قدمنا بيان فائدة قوله هو ابن الحارث ، وكقوله : عن الأعمش عن أبي صالح ، والأعمش مدلس والمدلس إذا قال : ( عن ) لا يحتج به إلا إذا ثبت السماع من جهة أخرى . وقدمنا أن ما كان في الصحيحين عن المدلس بعن فمحمول على أنه ثبت السماع من جهة أخرى ، وقد جاء هنا مبينا في الطريق الآخر من رواية شعبة .

وقوله في أول الباب : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو سعيد الأشج إلخ إسناده كله كوفيون إلا أبا هريرة فإنه مدني . واسم الأشج عبد الله بن سعيد بن حصين . توفي سنة سبع وخمسين ومائتين قبل مسلم بأربع سنين . وقوله : كلهم بهذا الإسناد مثله وفي رواية شعبة عن سليمان قال : سمعت ذكوان يعني بقوله هذا الإسناد أن هؤلاء الجماعة المذكورين وهم : جرير وعبثر ، وشعبة ، رووه عن الأعمش كما رواه وكيع في الطريق الأولى ، إلا أن شعبة زاد هنا فائدة حسنة فقال عن سليمان وهو الأعمش قال : سمعت ذكوان وهو أبو صالح فصرح بالسماع . وفي الروايات الباقية يقول : ( عن ) ، والأعمش مدلس لا يحتج بعنعنته إلا إذا صح سماعه الذي عنعنه من جهة أخرى ، فبين مسلم أن ذلك قد صح من رواية شعبة . والله تعالى أعلم .

وقوله : ( أبو قلابة ) هو بكسر القاف واسمه عبد الله بن زيد .

وقوله : عن ( خالد الحذاء ) قالوا إنما قيل له الحذاء لأنه كان يجلس في الحذائين ، ولم يحذ نعلا قط . هذا هو المشهور . وروينا عن فهد بن حيان بالمثناة قال : لم يحذ خالد قط ، وإنما كان يقول : احذوا على هذا النحو فلقب الحذاء ، وهو خالد بن مهران أبو المنازل بضم الميم وبالزاي واللام .

فيه ( أبو حازم عن أبي هريرة ) هو أبو حازم سلمان [ ص: 287 ] الأغر مولى عزة .

فيه ( أبو صالح ) وهو ذكوان ، تقدم .

وفيه ( سعيد بن عمرو الأشعثي ) هو بالشين المعجمة والعين المهملة والثاء المثلثة منسوب إلى جده الأشعث بن قيس الكندي فإنه سعيد بن عمرو بن سهل بن إسحاق بن محمد الأشعث بن قيس الكندي .

وفيه ( عبثر ) هو بفتح العين وبعدها باء موحدة ساكنة ثم ثاء مثلثة .

وأما ألفاظ اللغة ونحوها فقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ) هو على لفظ الآية الكريمة . قيل : معنى ( لا يكلمهم ) أي لا يكلمهم تكليم أهل الخيرات بإظهار الرضا ، بل بكلام أهل السخط والغضب ، وقيل : المراد الإعراض عنهم . وقال جمهور المفسرين : لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم ، وقيل : لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية . ومعنى ( لا ينظر إليهم ) أي : يعرض عنهم . ونظره - سبحانه وتعالى - لعباده - رحمته ولطفه بهم . ومعنى ( لا يزكيهم ) لا يطهرهم من دنس ذنوبهم . وقال الزجاج وغيره : معناه لا يثني عليهم . ومعنى ( عذاب أليم ) مؤلم . قال الواحدي : هو العذاب الذي يخلص إلى قلوبهم وجعه . قال : والعذاب كل ما يعيي الإنسان ويشق عليه . قال وأصل العذاب في كلام العرب من العذب وهو المنع . يقال : عذبته عذبا إذا منعته ، وعذب عذوبا أي امتنع ، وسمي الماء عذبا لأنه يمنع العطش ، فسمي العذاب عذابا لأنه يمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه ، ويمنع غيره من مثل فعله . والله أعلم .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( المسبل إزاره ) فمعناه المرخي له ، الجار طرفه خيلاء . كما جاء مفسرا في الحديث الآخر : ( لا ينظر الله إلى من يجر ثوبه خيلاء ) والخيلاء الكبر . وهذا التقييد بالجر خيلاء يخصص عموم المسبل إزاره ويدل على أن المراد بالوعيد من جره خيلاء . وقد رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ، وقال : " لست منهم " إذ كان جره لغير الخيلاء . وقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وغيره : وذكر إسبال الإزار وحده لأنه كان عامة لباسهم ، وحكم غيره من [ ص: 288 ] القميص وغيره حكمه . قلت : وقد جاء ذلك مبينا منصوصا عليه من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رواية سالم بن عبد الله عن أبيه - رضي الله عنهم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد حسن . والله أعلم .

[ ص: 291 ] وقوله : ( عن شعبة عن أيوب عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك الأنصاري ) ثم تحول الإسناد فقال : ( عن الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك ) قد يقال : هذا تطويل للكلام على خلاف عادة مسلم وغيره ، وكان حقه ومقتضى عادته أن يقتصر أولا على أبي قلابة ، ثم يسوق الطريق الآخر إليه ، فأما ذكر ثابت فلا حاجة إليه أولا ، وجوابه : أن في الرواية الأولى رواية شعبة عن أيوب نسب ثابت بن الضحاك فقال ( الأنصاري ) ، وفي رواية الثوري عن خالد ولم ينسبه فلم يكن له بد من فعل ما فعل ليصح ذكر نسبه .

قوله : ( يعقوب القاري ) هو بتشديد الياء تقدم قريبا .

و ( أبو حازم ) الراوي عن سهل بن سعد الساعدي اسمه سلمة بن دينار . والراوي عن أبي هريرة اسمه سلمان مولى عزة . والله أعلم .

وأما لغات الباب وشبهها فقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه ) هو بالجيم وهمز آخره ، ويجوز تسهيله بقلب الهمزة ألفا ومعناه يطعن .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يتردى ) ينزل .

وأما ( جهنم ) فهو اسم لنار الآخرة عافانا الله منها ومن كل بلاء . قال يونس وأكثر النحويين : هي عجمية لا تنصرف للعجمة والتعريف . وقال آخرون : هي عربية لم تصرف للتأنيث والعلمية ، وسميت بذلك لبعد قعرها . قال رؤبة : يقال : بئر جهنام : أي بعيدة القعر ، وقيل : هي مشتقة من الجهومة وهي الغلظ ; يقال : جهم الوجه أي غليظه ، فسميت جهنم لغلظ أمرها . والله أعلم .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من شرب سما فهو يتحساه ) هو بضم السين وفتحها وكسرها ، ثلاث لغات الفتح أفصحهن الثالثة في المطالع وجمعه سمام ومعنى ( يتحساه ) يشربه في تمهل ويتجرعه .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ومن ادعى دعوى كاذبة ) هذه هي اللغة الفصيحة يقال : دعوى باطل وباطلة ، وكاذب وكاذبة حكاهما صاحب ( المحكم ) والتأنيث أفصح . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ليتكثر بها ) فضبطناه بالثاء المثلثة بعد الكاف ، وكذا هو في معظم الأصول ، وهو [ ص: 292 ] الظاهر . وضبطه بعض الأئمة المعتمدين في نسخته بالباء الموحدة وله وجه وهو بمعنى الأول أي يصير ماله كبيرا عظيما .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ومن حلف على يمين صبر فاجرة ) كذا وقع في الأصول هذا القدر فحسب ، وفيه محذوف ، قال القاضي عياض - - رحمه الله - - : لم يأت في الحديث هنا الخبر عن هذا الحالف إلا أن يعطفه على قوله قبله : ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله بها إلا قلة ، أي وكذلك من حلف على يمين صبر فهو مثله . قال : وقد ورد معنى هذا الحديث تاما مبينا في حديث آخر : " من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان " ويمين الصبر هي التي ألزم بها الحالف عند الحاكم ونحوه . وأصل الصبر الحبس والإمساك .

وقوله في حديث أبي هريرة : ( شهدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حنينا ) كذا وقع في الأصول . قال القاضي عياض - رحمه الله - : صوابه ( خيبر ) بالخاء المعجمة .

قوله : ( يا رسول الله الرجل الذي قلت له آنفا إنه من أهل النار ) أي قلت في شأنه وفي سببه . قال الفراء وابن الشجري وغيرهما من أهل العربية : اللام قد تأتي بمعنى ( في ) ومنه قول الله عز وجل : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة أي فيه . وقوله : ( آنفا ) أي قريبا ، وفيه لغتان المد ، وهو أفصح ، والقصر .

وقوله : ( فكاد بعض المسلمين أن يرتاب ) كذا هو في الأصول ( أن يرتاب ) فأثبت أن مع كاد وهو جائز لكنه قليل ، وكاد لمقاربة الفعل ولم يفعل إذا لم يتقدمها نفي ، فإن تقدمها كقولك : ما كاد يقوم كانت دالة على القيام لكن بعد بطء . كذا نقله الواحدي وغيره عن العرب واللغة .

وقوله : ( ثم أمر بلالا فنادى في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) يجوز في إنه وإن كسر الهمزة ، وفتحها . وقد قرئ في السبع قول الله عز وجل : فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بفتح الهمزة وكسرها .

وقوله : ( لا يدع لهم شاذة إلا اتبعها ) الشاذ والشاذة الخارج والخارجة عن [ ص: 293 ] الجماعة .

قال القاضي عياض - رحمه الله - : أنث الكلمة على معنى النسمة أو تشبيه الخارج بشاذة الغنم . ومعناه أنه لا يدع أحدا على طريق المبالغة . قال ابن الأعرابي : يقال فلان لا يدع شاذة ولا فاذة إذا كان شجاعا لا يلقاه أحد إلا قتله . وهذا الرجل الذي كان لا يدع شاذة ولا فاذة اسمه ( قزمان ) قاله الخطيب البغدادي قال : وكان من المنافقين .

وقوله : ( ما أجزأ منا اليوم أحد ما أجزأ فلان ) مهموز معناه ما أغنى وكفى أحد غناءه وكفايته .

قوله : ( فقال رجل من القوم : أنا صاحبه ) كذا في الأصول . ومعناه أنا أصحبه في خفية وألازمه لأنظر السبب الذي به يصير من أهل النار ; فإن فعله في الظاهر جميل وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه من أهل النار ، فلا بد له من سبب عجيب .

قوله : ( ووضع ذباب السيف بين ثدييه ) هو بضم الذال وتخفيف الباء الموحدة المكررة ، وهو طرفه الأسفل . وأما طرفه الأعلى فمقبضه .

وقوله : ( بين ثدييه ) هو تثنية ثدي بفتح الثاء وهو يذكر على اللغة الفصيحة التي اقتصر عليها الفراء وثعلب [ ص: 294 ] وغيرهما . وحكى ابن فارس والجوهري وغيرهما فيه التذكير والتأنيث . قال ابن فارس : الثدي للمرأة ، ويقال لذلك الموضع من الرجل : ثندوة وثندؤة بالفتح بلا همزة وبالضم مع الهمزة . وقال الجوهري : والثدي للمرأة وللرجل . فعلى قول ابن فارس يكون في هذا الحديث قد استعار الثدي للرجل ، وجمع الثدي أثد وثدي وثدي بضم الثاء وكسرها .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( خرجت برجل قرحة فآذته فانتزع سهما من كنانته فنكأها ، فلم يرقأ الدم حتى مات ) وفي الرواية الأخرى ( خرج به خراج ) القرحة بفتح القاف وإسكان الراء وهي واحدة القروح وهي حبات تخرج في بدن الإنسان والكنانة بكسر الكاف وهي جعبة النشاب مفتوحة الجيم سميت كنانة لأنها تكن السهام أي تسترها . ومعنى ( نكأها ) قشرها وخرقها وفتحها وهو مهموز . ومعنى ( لم يرقأ الدم ) أي لم ينقطع وهو مهموز . يقال رقأ الدم والدمع يرقأ رقوءا مثل ركع يركع ركوعا إذا سكن وانقطع . ( والخراج ) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الراء وهو القرحة .

قوله : ( فما نسينا وما نخشى أن يكون كذب ) هو نوع من تأكيد الكلام وتقويته في النفس أو الإعلام بتحقيقه ونفي تطرق الخلل إليه . والله أعلم .

أما أحكام الحديث ومعانيها ففيها بيان غلظ تحريم قتل النفس ، واليمين الفاجرة التي يقتطع بها مال غيره ، والحلف بملة غير الإسلام كقوله هو يهودي أو نصراني إن كان كذا أو واللاتي والعزى وشبه ذلك . وفيها أنه لا يصح النذر فيما لا يملك ولا يلزم بهذا النذر شيء . وفيها تغليظ تحريم لعن المسلم وهذا لا خلاف فيه . قال الإمام أبو حامد الغزالي وغيره : لا يجوز لعن أحد من المسلمين ولا الدواب ، ولا فرق بين الفاسق وغيره ، ولا يجوز لعن أعيان الكفار حيا كان أو ميتا إلا من علمنا بالنص أنه مات كافرا كأبي لهب وأبي جهل وشبههما ، ويجوز لعن طائفتهم كقولك : لعن الله الكفار ، ولعن الله اليهود والنصارى .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لعن المؤمن كقتله ) فالظاهر أن المراد أنهما سواء في أصل التحريم وإن كان القتل أغلظ ، وهذا هو الذي اختاره الإمام أبو عبد الله المازري ، وقيل : غير هذا مما ليس بظاهر .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فهو في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ) فقيل فيه أقوال أحدها : أنه محمول على من فعل ذلك مستحلا مع علمه بالتحريم فهذا كافر ، وهذه عقوبته والثاني أن المراد بالخلود طول المدة والإقامة المتطاولة لا حقيقة الدوام كما يقال : خلد الله ملك السلطان . والثالث : أن هذا جزاؤه ولكن تكرم سبحانه وتعالى فأخبر أنه لا يخلد في النار من مات مسلما .

قال القاضي عياض - رحمه الله - في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه ) فيه دليل على أن القصاص [ ص: 295 ] من القاتل يكون بما قتل به محددا كان أو غيره اقتداء بعقاب الله تعالى لقاتل نفسه . والاستدلال بهذا لهذا ضعيف .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال ) وفي الرواية الأخرى ( كاذبا متعمدا ) ففيه بيان لغلظ تحريم هذا الحلف . وقوله - صلى الله عليه وسلم - كاذبا ليس المراد به التقييد والاحتراز من الحلف بها صادقا لأنه لا ينفك الحالف بها عن كونه كاذبا وذلك لأنه لا بد أن يكون معظما لما حلف به ، فإن كان معتقدا عظمته بقلبه فهو كاذب في ذلك ، وإن كان غير معتقد ذلك بقلبه فهو كاذب في الصورة لكونه عظمه بالحلف به ، وإذا علم أنه لا ينفك عن كونه كاذبا حمل التقييد بكاذبا على أنه بيان لصورة الحالف ، ويكون التقييد خرج على سبب فلا يكون له مفهوم ويكون من باب قول الله تعالى : ويقتلون الأنبياء بغير حق وقوله تعالى : ولا تقتلوا أولادكم من إملاق وقوله تعالى : وربائبكم اللاتي في حجوركم وقوله تعالى : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به وقوله تعالى : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم وقوله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ونظائره كثيرة . ثم إن كان الحالف به معظما لما حلف به مجلا له كان كافرا ، وإن لم يكن معظما بل كان قلبه مطمئنا بالإيمان فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به ، ومعاملته إياه معاملة ما يحلف به ، ولا يكون كافرا خارجا عن ملة الإسلام ، ويجوز أن يطلق عليه اسم الكفر ، ويراد به كفر الإحسان ، وكفر نعمة الله تعالى فإنها تقتضي أن لا يحلف هذا الحلف القبيح .

وقد قال الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك - رضي الله عنه - فيما ورد من مثل هذا مما ظاهره تكفير أصحاب المعاصي : إن ذلك على جهة التغليظ والزجر عنه ، وهذا معنى مليح ، ولكن ينبغي أن يضم إليه ما ذكرناه من كونه كافر النعم .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة ) فقال القاضي عياض : هو عام في كل دعوى يتشبع بها المرء بما لم يعط من مال يختال في التجمل به من غيره ، أو نسب ينتمي إليه ، أو علم يتحلى به ، وليس هو من حملته ، أو دين يظهره ، وليس هو من أهله ، فقد أعلم - صلى الله عليه وسلم - أنه غير مبارك له في دعواه ، ولا زاك ما اكتسبه بها . ومثله الحديث الآخر اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار ، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار وهو من أهل الجنة ) ففيه التحذير من الاغترار بالأعمال ، وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها ، ولا يركن إليها مخافة من انقلاب الحال للقدر السابق . وكذا ينبغي للعاصي أن لا [ ص: 296 ] يقنط ولغيره أن لا يقنطه من رحمة الله تعالى . ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وكذا عكسه أن هذا قد يقع .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن رجلا ممن كان قبلكم خرجت به قرحة فلما آذته انتزع سهما من كنانته فنكأها فلم يرقأ الدم حتى مات قال ربكم قد حرمت عليه الجنة ) فقال القاضي - رحمه الله - فيه : يحتمل أنه كان مستحلا ، أو يحرمها حين يدخلها السابقون والأبرار ، أو يطيل حسابه ، أو يحبس في الأعراف . هذا كلام القاضي قلت : ويحتمل أن شرع أهل ذلك العصر تكفير أصحاب الكبائر ثم إن هذا محمول على أنه نكأها استعجالا للموت أو لغير مصلحة فإنه لو كان على طريق المداواة التي يغلب على الظن نفعها لم يكن حراما . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث