الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب معنى قول الله عز وجل ولقد رآه نزلة أخرى وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء

177 حدثني زهير بن حرب حدثنا إسمعيل بن إبراهيم عن داود عن الشعبي عن مسروق قال كنت متكئا عند عائشة فقالت يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية قلت ما هن قالت من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال وكنت متكئا فجلست فقلت يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز وجل ولقد رآه بالأفق المبين ولقد رآه نزلة أخرى فقالت أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض فقالت أو لم تسمع أن الله يقول لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير أو لم تسمع أن الله يقول وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم قالت ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله يقول يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته قالت ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب حدثنا داود بهذا الإسناد نحو حديث ابن علية وزاد قالت ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه حدثنا ابن نمير حدثنا أبي حدثنا إسمعيل عن الشعبي عن مسروق قال سألت عائشة هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه فقالت سبحان الله لقد قف شعري لما قلت وساق الحديث بقصته وحديث داود أتم وأطول

التالي السابق


قوله : ( أعظم الفرية ) هي بكسر الفاء وإسكان الراء وهي الكذب ، يقال : فري الشيء يفريه فريا وافتراه يفتريه افتراء إذا اختلقه ، وجمع الفرية فرى .

قوله ( أنظريني ) أي : أمهليني .

قوله : ( عن مسروق ألم يقل الله تعالى : ولقد رآه بالأفق المبين وقول عائشة - رضي الله عنها - : ( أو لم تسمع أن الله تعالى يقول : لا تدركه الأبصار أو لم تسمع أن الله تعالى يقول : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ) ثم قالت عائشة أيضا : ( والله تعالى يقول : يا أيها الرسول بلغ ثم قالت : والله - تعالى - يقول : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله هذا كله تصريح من عائشة ومسروق - رضي الله عنهما - بجواز قول المستدل بآية من القرآن : إن الله عز وجل يقول ، وقد كره ذلك مطرف بن عبد الله بن الشخير التابعي . فروى ابن أبي داود بإسناده عنه أنه قال : لا تقولوا إن الله يقول ، ولكن قولوا : إن الله قال ، وهذا الذي أنكره مطرف - رحمه الله - خلاف ما فعلته الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أئمة المسلمين ، فالصحيح المختار جواز الأمرين كما استعملته عائشة - رضي الله عنها - ومن في عصرها وبعدها من السلف والخلف وليس لمن أنكره حجة ، ومما يدل على جوازه من النصوص قول الله عز وجل : والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وفي صحيح مسلم - رحمه الله - عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يقول الله عز وجل : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها والله أعلم .

وأما قولها : ( أو لم تسمع أن الله تعالى يقول : ما كان لبشر ) فهكذا هو في معظم الأصول ( ما كان ) بحذف الواو والتلاوة وما كان بإثبات الواو ; ولكن لا يضر هذا في الرواية والاستدلال ; لأن المستدل ليس مقصوده التلاوة على وجهها . وإنما مقصوده [ ص: 387 ] بيان موضع الدلالة ، ولا يؤثر حذف الواو في ذلك وقد جاء لهذا نظائر كثيرة في الحديث منها قوله فأنزل الله تعالى : وأقم الصلاة طرفي النهار وقوله تعالى : وأقم الصلاة لذكري هكذا هو في روايات الحديثين في الصحيحين والتلاوة بالواو فيهما . والله أعلم .

وأما ( مسروق ) فقال أبو سعيد السمعاني في الأنساب : سمي مسروقا ; لأنه سرقه إنسان في صغره ثم وجد .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض ) هكذا هو في الأصول ( ما بين السماء إلى الأرض ) وهو صحيح وأما ( عظم خلقه ) فضبط على وجهين أحدهما : بضم العين وإسكان الظاء ، والثاني : بكسر العين وفتح الظاء وكلاهما صحيح .

قوله : ( سألت عائشة - رضي الله عنها - هل رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه سبحانه وتعالى ؟ فقالت : سبحان [ ص: 388 ] الله ، لقد قف شعري لما قلت ) أما قولها : ( سبحان الله ) ، فمعناه التعجب من جهل مثل هذا ، وكأنها تقول كيف يخفى عليك مثل هذا ؟ ولفظة ( سبحان الله ) لإرادة التعجب كثيرة في الحديث وكلام العرب ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - : سبحان الله تطهري بها ، وسبحان الله المسلم لا ينجس ، وقول الصحابة : سبحان الله ، يا رسول الله ، وممن ذكر من النحويين أنها من ألفاظ التعجب أبو بكر بن السراج وغيره ، وكذلك يقولون في التعجب : لا إله إلا الله . والله أعلم .

وأما قولها - رضي الله عنها - : ( قف شعري ) فمعناه : قام شعري من الفزع لكوني سمعت ما لا ينبغي أن يقال ، قالابن الأعرابي . تقول العرب عند إنكار الشيء : قف شعري ، واقشعر جلدي ، واشمأزت نفسي ، قال النضر بن شميل : القف كهيئة القشعريرة ، وأصله التقبض والاجتماع ; لأن الجلد ينقبض عند الفزع والاستهوال ، فيقوم الشعر لذلك سميت القفة التي هي الزنبيل لاجتماعها ولما يجتمع فيها . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث