الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من اعترف على نفسه بالزنى

1695 وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير ح وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وتقاربا في لفظ الحديث حدثنا أبي حدثنا بشير بن المهاجر حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني فرده فلما كان من الغد أتاه فقال يا رسول الله إني قد زنيت فرده الثانية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه فقال أتعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا فقالوا ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم قال فجاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني وإنه ردها فلما كان الغد قالت يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزا فوالله إني لحبلى قال إما لا فاذهبي حتى تلدي فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت هذا قد ولدته قال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبها فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها فقال مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت

التالي السابق


قوله : ( قال إما لا فاذهبي حتى تلدي ) هو بكسر الهمزة من ( إما ) وتشديد الميم وبالإمالة ، ومعناه إذا أبيت أن تستري على نفسك وتتوبي وترجعي عن قولك فاذهبي حتى تلدي فترجمين بعد ذلك ، وقد سبق شرح هذه اللفظة مبسوطا .

قوله : ( فتنضح الدم على وجه خالد ) روي بالحاء المهملة وبالمعجمة ، والأكثرون على المهملة ، ومعناه ترشش وانصب .

قوله صلى الله عليه وسلم : لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له فيه أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات ، وذلك لكثرة مطالبات الناس له بظلاماتهم عنده ، وتكرر ذلك منه وانتهاكه للناس وأخذ أموالهم بغير حقها وصرفها في غير وجهها . وفيه أن توبة الزاني لا تسقط عنه حد الزنا ، وكذا حكم حد السرقة والشرب . هذا أصح القولين في مذهبنا ومذهب مالك . والثاني أنها تسقط ذلك . وأما توبة المحارب قبل القدرة عليه فتسقط حد المحاربة بلا خلاف عندنا ، وعند ابن عباس وغيره لا تسقط .

قوله : ( ثم أمر بها فصلي عليها ثم دفنت ) وفي الرواية الثانية : ( أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرجمت ثم صلى عليها ، فقال له عمر : تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت ؟ ) أما الرواية الثانية فصريحة في أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليها ، وأما الرواية الأولى فقال القاضي عياض - رضي الله عنه - هي بفتح الصاد واللام عند جماهير رواة صحيح مسلم ، قال : وعند الطبري بضم الصاد ، قال : وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود ، قال : وفي رواية لأبي داود " ثم أمرهم أن يصلوا عليها " قال القاضي : ولم يذكر مسلم صلاته صلى الله عليه وسلم على ماعز ، وقد ذكرها البخاري ، وقد اختلف العلماء في الصلاة على المرجوم فكرهها مالك وأحمد للإمام ولأهل الفضل دون باقي الناس ، ويصلي عليه غير الإمام وأهل الفضل ، قال الشافعي وآخرون : يصلي عليه الإمام وأهل الفضل وغيرهم ، والخلاف بين الشافعي ومالك إنما هو في الإمام وأهل الفضل ، وأما غيرهم فاتفقا على أنه يصلي ، وبه قال جماهير العلماء ، قالوا : فيصلى على الفساق والمقتولين في الحدود [ ص: 349 ] والمحاربة وغيرهم ، وقال الزهري : لا يصلي أحد على المرجوم وقاتل نفسه ، وقال قتادة : لا يصلى على ولد الزنا ، واحتج الجمهور بهذا الحديث .

وفيه دلالة للشافعي أن الإمام وأهل الفضل يصلون على المرجوم كما يصلي عليه غيرهم ، وأجاب أصحاب مالك عنه بجوابين : أحدهما : أنهم ضعفوا رواية الصلاة لكون أكثر الرواة لم يذكروها .

والثاني : تأولوها على أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة أو دعا في الصحيح ، وزيادة الثقة مقبولة ، وأما الثاني فهذا التأويل مردود لأن التأويل إنما يصار إليه إذا اضطرت الأدلة الشرعية إلى ارتكابه ، وليس هنا شيء من ذلك ، فوجب حمله على ظاهره . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث