الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها

195 حدثنا محمد بن طريف بن خليفة البجلي حدثنا محمد بن فضيل حدثنا أبو مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله قال فيقول إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلا من وراء وراء اعمدوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم الذي كلمه الله تكليما فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم فيقول لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى صلى الله عليه وسلم لست بصاحب ذلك فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقوم فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق قال قلت بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق قال ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوس في النار والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفا

التالي السابق


قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة ) هو بضم التاء وإسكان الزاي ومعناه تقرب كما قال الله تعالى : وأزلفت الجنة للمتقين أي : قربت .

قوله - صلى الله عليه وسلم - عن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما كنت خليلا من وراء وراء ) قال صاحب ( التحرير ) هذه كلمة تذكر على سبيل التواضع أي : لست بتلك الدرجة الرفيعة ، قال : وقد وقع لي معنى مليح فيه وهو أن معناه أن المكارم التي أعطيتها كانت بوساطة سفارة جبريل - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن ائتوا موسى ; فإنه حصل له سماع الكلام بغير واسطة ، قال : وإنما كرر وراء وراء لكون نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - حصل له السماع بغير واسطة ، وحصل له الرؤية ، فقال إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - : أنا وراء موسى الذي هو وراء محمد صلى الله عليهم أجمعين وسلم . هذا كلام صاحب ( التحرير ) وأما ضبط ( وراء وراء ) فالمشهور فيه الفتح فيهما بلا تنوين ، ويجوز عند أهل العربية بناؤهما على الضم ، وقد جرى في هذا كلام بين الحافظ أبي الخطاب بن دحية والإمام الأديب أبي اليمن الكندي فرواهما ابن دحية بالفتح وادعى أنه الصواب فأنكره الكندي ، [ ص: 433 ] وادعى أن الضم هو الصواب وكذا قال أبو البقاء : الصواب الضم لأن تقديره من وراء ذلك أو من وراء شيء آخر ، قال : فإن صح الفتح قبل ، وقد أفادني هذا الحرف الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن أمية أدام الله نعمه عليه وقال : الفتح صحيح وتكون الكلمة مؤكدة كشذر مذر ، وشغر بغر ، وسقطوا بين بين ، فركبهما وبناهما على الفتح ، قال : وإن ورد منصوبا منونا جاز جوازا جيدا قلت : ونقل الجوهري في ( صحاحه ) عن الأخفش أنه يقال : ( لقيته من وراء ) مرفوع على الغاية كقولك ( من قبل ومن بعد ) قال : وأنشد الأخفش شعرا :


إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراء

بضمهما والله أعلم .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط ) أما ( تقومان ) فبالتاء المثناة من فوق ، وقد قدمنا بيان ذلك وأن المؤنثتين الغائبتين تكونان بالمثناة من فوق . وأما ( جنبتا الصراط ) فبفتح الجيم والنون ومعناهما جانباه . وأما ( إرسال الأمانة والرحم ) فهو لعظم أمرهما وكبر موقعهما فتصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها الله تعالى ، قال صاحب ( التحرير ) في الكلام اختصار ، والسامع فهم أنهما تقومان لتطالبا كل من يريد الجواز بحقهما .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فيمر أولهم كالبرق ثم ذكر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ) أما ( شد الرجال ) فهو بالجيم جمع رجل هذا هو الصحيح المعروف المشهور ، ونقل القاضي أنه في رواية ابن ماهان بالحاء . قال القاضي وهما متقاربان في المعنى وشدها عدوها البالغ وجريها . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( تجري بهم أعمالهم ) فهو كالتفسير لقوله - صلى الله عليه وسلم - ( فيمر أولكم كالبرق ثم كمر الريح . . . إلى آخره ) معناه أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وفي حافتي الصراط ) هو بتخفيف الفاء وهما جانباه ، وأما الكلاليب فتقدم بيانها .

[ ص: 434 ] قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فمخدوش ناج ومكدوس ) هو بالدال ، وقد تقدم بيانه في هذا الباب ، ووقع في أكثر الأصول هنا ( مكردس ) بالراء ثم الدال ، وهو قريب من معنى المكدوس .

قوله : ( والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفا ) هكذا هو في بعض الأصول ( لسبعون ) بالواو ، وهذا ظاهر وفيه حذف تقديره : إن مسافة قعر جهنم سير سبعين سنة ، ووقع في معظم الأصول والروايات ( لسبعين ) بالياء ، وهو صحيح أيضا ، أما على مذهب من يحذف المضاف ويبقي المضاف إليه على جره فيكون التقدير : سير سبعين ، وأما على أن قعر جهنم مصدري يقال : قعرت الشيء إذا بلغت قعره ، ويكون ( سبعين ) ظرف زمان ، وفيه خبر إن التقدير أن بلوغ قعر جهنم لكائن في سبعين خريفا ، والخريف ، السنة . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث