الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء

249 حدثنا يحيى بن أيوب وسريج بن يونس وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر جميعا عن إسمعيل بن جعفر قال ابن أيوب حدثنا إسمعيل أخبرني العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا أولسنا إخوانك يا رسول الله قال أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله فقال أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله قالوا بلى يا رسول الله قال فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقا سحقا حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز يعني الدراوردي ح وحدثني إسحق بن موسى الأنصاري حدثنا معن حدثنا مالك جميعا عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون بمثل حديث إسمعيل بن جعفر غير أن حديث مالك فليذادن رجال عن حوضي

التالي السابق


قوله : ( سريج بن يونس ) هو بالسين المهملة وبالجيم وتقدم أن يونس بضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز فيهن وتركه . والله أعلم .

[ ص: 485 ] قوله : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى المقبرة فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ) أما ( المقبرة ) فبضم الباء وفتحها وكسرها ثلاث لغات الكسر قليل . وأما ( دار قوم ) فهو بنصب دار ، قال صاحب المطالع : هو منصوب على الاختصاص أو النداء المضاف ، والأول أظهر ، قال : ويصح الخفض على البدل من الكاف والميم في ( عليكم ) ، والمراد بالدار على هذين الوجهين الأخيرين : الجماعة أو أهل الدار ، وعلى الأول مثله أو المنزل .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ) فأتى بالاستثناء مع أن الموت لا شك فيه ، وللعلماء فيه أقوال أظهرها : أنه ليس للشك ولكنه - صلى الله عليه وسلم - قاله للتبرك وامتثال أمر الله تعالى في قوله : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله والثاني : حكاه الخطابي وغيره أنه عادة للمتكلم يحسن به كلامه ، والثالث : أن الاستثناء عائد إلى اللحوق في هذا المكان ، وقيل : معناه إذا شاء الله . وقيل : أقوال أخر ضعيفة جدا تركتها لضعفها وعدم الحاجة إليها ، منها قول من قال : الاستثناء منقطع راجع إلى استصحاب الإيمان ، وقول من قال : كان معه - صلى الله عليه وسلم - مؤمنون حقيقة ، وآخرون يظن بهم النفاق ، فعاد الاستثناء إليهم . وهذان القولان - وإن كانا مشهورين - فيهما خطأ ظاهر . والله أعلم .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا : أولسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال : بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد ) قال العلماء في هذا الحديث : جواز التمني لا سيما في الخير ولقاء الفضلاء وأهل الصلاح والمراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - : وددت أنا قد رأينا إخواننا أي : رأيناهم في الحياة الدنيا . قال القاضي عياض : وقيل : المراد : تمني لقائهم بعد الموت . قال الإمام الباجي : قوله - صلى الله عليه وسلم - : بل أنتم أصحابي ليس نفيا لأخوتهم ، ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة ، فهؤلاء إخوة صحابة ، والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة كما قال الله تعالى : إنما المؤمنون إخوة قال القاضي عياض : ذهب أبو عمر بن عبد البر في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في فضل من يأتي آخر الزمان إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل ممن كان من جملة الصحابة ، وأن قوله - صلى الله عليه وسلم - : خيركم قرني على الخصوص معناه : خير الناس قرني أي : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ومن سلك مسلكهم ، فهؤلاء أفضل الأمة وهم المرادون بالحديث ، وأما من خلط [ ص: 486 ] في زمنه - صلى الله عليه وسلم - وإن رآه وصحبه أو لم يكن له سابقة ولا أثر في الدين فقد يكون في القرون التي تأتي بعد القرن الأول من يفضلهم على ما دلت عليه الآثار . قال القاضي : وقد ذهب إلى هذا أيضا غيره من المتكلمين على المعاني ، قال : وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا ، وأن من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ورآه مرة من عمره وحصلت له مزية الصحبة أفضل من كل من يأتي بعده ، فإن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل ، قالوا : وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه . هذا كلام القاضي . والله أعلم .

قوله : ( لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ) أما ( بين ظهري ) : فمعناه : بينهما وهو بفتح الظاء وإسكان الهاء . وأما ( الدهم ) : فجمع أدهم وهو الأسود والدهمة السواد . وأما ( البهم ) : فقيل السود أيضا ، وقيل : البهم : الذي لا يخالط لونه لونا سواه سواء كان أسود أو أبيض أو أحمر ، بل يكون لونه خالصا ، وهذا قول ابن السكيت وأبي حاتم السختياني وغيرهما .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وأنا فرطهم على الحوض ) قال الهروي وغيره : معناه أنا أتقدمهم على الحوض يقال : فرط القوم إذا تقدمهم ليرتاد لهم الماء ، ويهيئ لهم الدلاء والرشا . وفي هذا الحديث : بشارة لهذه الأمة - زادها الله تعالى شرفا - فهنيئا لمن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرطه . قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أناديهم ألا هلم ) [ ص: 487 ] معناه : تعالوا ، قال أهل اللغة : في ( هلم ) لغتان أفصحهما : هلم للرجل والرجلين والمرأة والجماعة من الصنفين بصيغة واحدة ، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله تعالى : هلم شهداءكم ، والقائلين لإخوانهم هلم إلينا واللغة الثانية : هلم يا رجل وهلما يا رجلان وهلموا يا رجال وللمرأة ( هلمي ) وللمرأتان ( هلمتا ) وللنسوة ( هلمن ) ، قال ابن السكيت وغيره : الأولى أفصح كما قدمناه . قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فأقول سحقا سحقا ) هكذا هو في الروايات ( سحقا سحقا ) مرتين ومعناه ( بعدا بعدا ) ، والمكان السحيق : البعيد ، وفي ( سحقا سحقا ) لغتان قرئ بهما في السبع إسكان الحاء وضمها ، قرأ الكسائي بالضم ، والباقون بالإسكان ونصب على تقدير : ألزمهم الله سحقا أو سحقهم سحقا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث