الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

هذا وللقرآن مبتكرات تميز بها نظمه عن بقية كلام العرب . فمنها أنه جاء على أسلوب يخالف الشعر لا محالة وقد نبه عليه العلماء المتقدمون . وأنا أضم إلى ذلك أن أسلوبه يخالف الخطابة بعض المخالفة ، بل جاء بطريقة كتاب يقصد حفظه وتلاوته ، وذلك من وجوه إعجازه إذ كان نظمه على طريقة مبتكرة ليس فيها اتباع لطرائقها القديمة في الكلام .

وأعد من ذلك أنه جاء بالجمل الدالة على معان مفيدة محررة شأن الجمل العلمية والقواعد التشريعية ، فلم يأت بعموميات شأنها التخصيص غير مخصوصة ، ولا بمطلقات تستحق التقييد غير مقيدة ، كما كان يفعله العرب لقلة اكتراثهم بالأحوال القليلة والأفراد النادرة . مثاله قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون وقوله ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله فبين أن الهوى قد يكون محمودا إذا كان هو المرء عن هدى ، وقوله إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ومنها أن جاء على أسلوب التقسيم والتسوير وهي سنة جديدة في الكلام العربي أدخل بها عليه طريقة التبويب والتصنيف وقد أومأ إليها في الكشاف إيماء .

ومنها الأسلوب القصصي في حكاية أحوال النعيم والعذاب في الآخرة ، وفي تمثيل الأحوال ، وقد كان لذلك تأثير عظيم على نفوس العرب ، إذ كان فن القصص مفقودا من أدب العربية إلا نادرا ، كان في بعض الشعر كأبيات النابغة في الحية التي قتلت الرجل وعاهدت أخاه وغدر بها ، فلما جاء القرآن بالأوصاف بهت به العرب ، كما في سورة الأعراف من وصف أهل الجنة وأهل النار وأهل الأعراف ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار إلخ وفي سورة الحديد فضرب بينهم بسور الآيات .

ومما يتبع هذا أن القرآن يتصرف في حكاية أقوال المحكي عنهم فيصوغها على ما يقتضيه أسلوب إعجازه لا على الصيغة التي صدرت فيها ، فهو إذا حكى أقوالا غير عربية صاغ مدلولها في صيغة تبلغ حد الإعجاز بالعربية ، وإذا حكى أقوالا عربية تصرف فيها تصرفا يناسب أسلوب المعبر ، مثل ما يحكيه عن العرب فإنه لا يلتزم حكاية ألفاظهم بل يحكي حاصل كلامهم ، وللعرب في حكاية الأقوال اتساع مداره على الإحاطة بالمعنى دون التزام الألفاظ ، فالإعجاز الثابت للأقوال المحكية في القرآن هو إعجاز للقرآن لا للأقوال المحكية .

ومن هذا القبيل حكاية الأسماء الواقعة في القصص ، فإن القرآن يغيرها إلى ما يناسب حسن مواقعها في الكلام من الفصاحة ، مثل تغيير شاول إلى طالوت ، وتغيير اسم تارح أبي إبراهيم إلى آزر .

وكذلك التمثيل فقد كان في أدب العرب الأمثال وهي حكاية أحوال مرموز لها بتلك الجمل البليغة التي قيلت فيها أو قيلت لها المسماة بالأمثال ، فكانت تلك الجمل مشيرة إلى تلك الأحوال ، إلا أنها لما تداولتها الألسن في الاستعمال وطال عليها الأمد نسيت الأحوال التي وردت فيها ولم يبق للأذهان عند النطق بها إلا الشعور بمغازيها التي تقال لأجلها .

أما القرآن فقد أوضح الأمثال وأبدع تركيبها كقوله تعالى مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف وقوله ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق وقوله والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن إلى قوله فما له من نور وقوله والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه لم يلتزم القرآن أسلوبا واحدا ، واختلفت سوره وتفننت ، فتكاد تكون لكل سورة لهجة خاصة ، فإن بعضها بني على فواصل وبعضها ليس كذلك . وكذلك فواتحها منها ما افتتح بالاحتفال كالحمد ، ويا أيها الذين آمنوا ، الم ذلك الكتاب ، وهي قريب مما نعبر عنه في صناعة الإنشاء بالمقدمات . ومنها ما افتتح بالهجوم على الغرض من أول الأمر نحو الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم و براءة من الله ورسوله .

ومن أبدع الأساليب في كلام العرب الإيجاز وهو متنافسهم وغاية تتبارى إليها فصحاؤهم ، وقد جاء القرآن بأبدعه إذ كان مع ما فيه من الإيجاز المبين في علم المعاني ، فيه إيجاز عظيم آخر وهو صلوحية معظم آياته لأن تؤخذ منها معان متعددة كلها تصلح لها العبارة باحتمالات لا ينافيها اللفظ ، فبعض تلك الاحتمالات مما يمكن اجتماعه ، وبعضها وإن كان فرض واحد منه يمنع من فرض آخر فتحريك الأذهان إليه وإخطاره بها يكفي في حصول المقصد من التذكير به للامتثال أو الانتهاء . وقد أشرنا إلى هذا في المقدمة التاسعة . ولولا إيجاز القرآن لكان أداء ما يتضمنه من المعاني في أضعاف مقدار القرآن . وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العالم ويزيد عن تبصره ، ولا ينبئك مثل خبير .

إنك تجد في كثير من تراكيب القرآن حذفا ولكنك لا تعثر على حذف يخلو الكلام من دليل عليه من لفظ أو سياق ، زيادة على جمعه المعاني الكثيرة في الكلام القليل ، قال في الكشاف في سورة المدثر " الحذف والاختصار هو نهج التنزيل " قال بعض بطارقة الروم لعمر بن الخطاب لما سمع قوله تعالى ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون قد جمع الله في هذه الآية ما أنزل على عيسى من أحوال الدنيا والآخرة . ومن ذلك قوله تعالى وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه الآية ، جمع بين أمرين ونهيين وبشارتين ، ومن ذلك قوله ولكم في القصاص حياة مقابلا أوجز كلام عرف عندهم وهو القتل أنفى للقتل ، ومن ذلك قوله تعالى وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ولقد بسط السكاكي في المفتاح آخر قسم البيان نموذجا مما اشتملت عليه هذه الآية من البلاغة والفصاحة ، وتصدى أبو بكر الباقلاني في كتابه المسمى " إعجاز القرآن " إلى بيان ما في سورة النمل من الخصائص فارجع إليهما .

وأعد من أنواع إيجازه إيجاز الحذف مع عدم الالتباس ، وكثر ذلك في حذف القول ، ومن أبدع الحذف قوله تعالى في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر أي يتذاكرون شأن المجرمين فيقول من علموا شأنهم سألناهم فقلنا ما سلككم في سقر . قال في الكشاف : قوله ما سلككم في سقر ليس ببيان للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين ، أي أن المسئولين يقولون للسائلين قلنا لهمما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين اهـ .

ومنه حذف المضاف كثيرا كقوله تعالى ولكن البر من آمن بالله وحذف الجمل التي يدل الكلام على تقديرها ، نحو قوله تعالى فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق إذ التقدير : فضرب فانفلق . ومن ذلك الإخبار عن أمر خاص بخبر يعمه وغيره لتحصل فوائد : فائدة الحكم العام ، وفائدة الحكم الخاص ، وفائدة أن هذا المحكوم عليه بالحكم الخاص هو من جنس ذلك المحكوم عليه بالحكم العام .

وقد تتبعت أساليب من أساليب نظم الكلام في القرآن فوجدتها مما لا عهد بمثلها في كلام العرب ، مثال ذلك قوله تعالى قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات فإبدال " رسولا " من " ذكرا " يفيد أن هذا الذكر ذكر هذا الرسول ، وأن مجيء الرسول هو ذكر لهم ، وأن وصفه بقوله يتلو عليكم آيات الله يفيد أن الآيات ذكر . ونظير هذا قوله حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة الآية ، وليس المقام بسامح لإيراد عديد من هذا . ولعله يأتي في أثناء التفسير .

ومن بديع الإيجاز في القرآن وأكثره ما يسمى بالتضمين ، وهو يرجع إلى إيجاز الحذف ، والتضمين أن يضمن الفعل أو الوصف معنى فعل أو وصف آخر ويشار إلى المعنى المضمن بذكر ما هو من متعلقاته من حرف أو معمول فيحصل في الجملة معنيان .

ومن هذا الباب ما اشتمل عليه من الجمل الجارية مجرى الأمثال ، وهذا باب من أبواب البلاغة نادر في كلام بلغاء العرب ، وهو الذي لأجله عدت قصيدة زهير في المعلقات ، فجاء في القرآن ما يفوق ذلك كقوله تعالى قل كل يعمل على شاكلته وقوله طاعة معروفة وقوله ادفع بالتي هي أحسن وسلك القرآن مسلك الإطناب لأغراض من البلاغة ومن أهم مقامات الإطناب مقام توصيف الأحوال التي يراد بتفصيل وصفها إدخال الروع في قلب السامع ، وهذه طريقة عربية في مثل هذا كقول ابن زيابة :


نبئت عمرا غارزا رأسه في سنة يوعد أخواله

فمن آيات القرآن في مثله قوله تعالى كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق وقوله فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون وقوله مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم ومن أساليب القرآن المنفرد بها التي أغفل المفسرون اعتبارها أنه يرد فيه استعمال اللفظ المشترك في معنيين أو معان إذا صلح المقام بحسب اللغة العربية لإدارة ما يصلح منها ، واستعمال اللفظ في معناه الحقيقي والمجازي إذا صلح المقام لإرادتهما ، وبذلك تكثر معاني الكلام مع الإيجاز ، وهذا من آثار كونه معجزة خارقة لعادة كلام البشر ، ودالة على أنه منزل من لدن العليم بكل شيء والقدير عليه .

وقد نبهنا على ذلك وحققناه في المقدمة التاسعة . ومن أساليبه الإتيان بالألفاظ التي تختلف معانيها باختلاف حروفها أو اختلاف حركات حروفها ، وهو من أسباب اختلاف كثير من القراءات مثل " وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا " قرئ ( عند ) بالنون دون ألف وقرئ ( عباد ) بالموحدة وألف بعدها ، ومثل ( إذا قومك منه يصدون ) بضم الصاد وكسرها .

وقد أشرنا إلى ذلك في المقدمة السادسة . واعلم أن مما يندرج تحت جهة الأسلوب ما سماه أئمة نقد الأدب بالجزالة ، وما سموه بالرقة وبينوا لكل منهما مقاماته وهما راجعتان إلى معاني الكلام ، ولا تخلو سورة من القرآن من تكرر هذين الأسلوبين ، وكل منهما بالغ غايته في موقعه ، فبينما تسمعه يقول قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ويقول يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا إذ تسمعه يقول فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود قال عياض في الشفا : إن عتبة بن ربيعة لما سمع هذه الآية أمسك بيده على فم النبيء صلى الله عليه وسلم وقال له : ناشدتك الله والرحم إلا ما كففت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث