الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا

الخطاب لغير معين ، أي لو اطلعت عليهم أيها السامع حين كانوا في تلك الحالة قبل أن يبعثهم الله ، إذ ليس في الكلام أنهم لم يزالوا كذلك زمن نزول الآية .

[ ص: 282 ] والمعنى : لو اطلعت عليهم ، ولم تكن علمت بقصتهم لحسبتهم لصوصا قطاعا للطريق ، إذ هم عدد في كهف ، وكانت الكهوف مخابئ لقطاع الطريق ، كما قال تأبط شرا :


أقول للحيان وقد صفرت لهم وطابي ويومي ضيق الجحر معور

ففررت منهم ، وملكك الرعب من شرهم ، كقوله تعالى نكرهم وأوجس منهم خيفة ، وليس المراد الرعب من ذواتهم ; إذ ليس في ذواتهم ما يخالف خلق الناس ، ولا الخوف من كونهم أمواتا ، إذ لم يكن الرعب من الأموات من خلال العرب ، على أنه قد سبق وتحسبهم أيقاظا وهم رقود .

والاطلاع : الإشراف على الشيء ، ورؤيته من مكان مرتفع ; لأنه افتعال من طلع إذا ارتقى جبلا ، فصيغ الافتعال للمبالغة في الارتقاء ، وضمن معنى الإشراف فعدي بـ ( على ) ، ثم استعمل مجازا مشهورا في رؤية الشيء الذي لا يراه أحد ، وسيأتي ذكر هذا الفعل عند قوله تعالى أطلع الغيب في سورة مريم ، فضلا عن أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ، وفي الكشاف عن ابن عباس ما يقتضي ذلك وليس بصحيح .

وانتصب فرارا على المفعول المطلق المبين لنوع وليت .

و ( ملئت ) مبني للمجهول ، أي ملأك الرعب ، وملأ - بتشديد اللام - مضاعف ملأ ، وقرئ بهما .

والملء : كون المظروف حالا في جميع فراغ الظرف بحيث لا تبقى في الظرف سعة لزيادة شيء من المظروف ، فمثلت الصفة النفسية بالمظروف ، ومثل عقل الإنسان بالظرف ، ومثل تمكن الصفة من النفس بحيث لا يخالطها تفكير في غيرها بملء الظرف بالمظروف ، فكان في قوله " ملئت " استعارة تمثيلية ، وعكسه قوله تعالى وأصبح فؤاد أم موسى فارغا .

[ ص: 283 ] وانتصب " رعبا " على تمييز النسبة المحول عن الفاعل في المعنى ; لأن الرعب هو الذي يملأ ، فلما بني الفعل إلى المجهول ; لقصد الإجمال ثم التفصيل صار ما حقه أن يكون فاعلا تمييزا ، وهو إسناد بديع حصل منه التفصيل بعد الإجمال ، وليس تمييزا محولا عن المفعول كما قد يلوح بادئ الرأي .

والرعب تقدم في قوله تعالى سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب في سورة آل عمران .

وقرأ نافع وابن كثير ( ولملئت ) بتشديد اللام على المبالغة في الملء ، وقرأ الباقون بتخفيف اللام على الأصل .

وقرأ الجمهور " رعبا " بسكون العين ، وقرأه ابن عامر والكسائي وأبو جعفر ويعقوب بضم العين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث